Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
متابعات - تغطيات صحفية: خميسآرت: ندوة مسرح الشارع - الأحد, 12 تشرين2/نوفمبر 2017 11:07
بحوث - مقالات - دراسات: الفضاء العمومي ومسرح الشارع - الأحد, 12 تشرين2/نوفمبر 2017 10:53
مواعيد فنية - ثقافية: Ouarzazate: Morocco Solar Festival - الجمعة, 10 تشرين2/نوفمبر 2017 10:49
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: مهرجان السينما والذاكرة المشتركة - السبت, 04 تشرين2/نوفمبر 2017 13:02
متابعات - تغطيات صحفية: بلاغ مشترك بين النقابة والفيدرالية - السبت, 04 تشرين2/نوفمبر 2017 10:56
أخبار - منوعات - إصدارات : جديد الفيدرالية الدولية للممثلين - الثلاثاء, 31 تشرين1/أكتوير 2017 18:12
مواعيد فنية - ثقافية: ملتقى فنون العرائس والفرجة الشعبية - الأربعاء, 25 تشرين1/أكتوير 2017 19:18
مواعيد فنية - ثقافية: سيرة القصيدة بمهرجان مكناس - الثلاثاء, 24 تشرين1/أكتوير 2017 11:18
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: المهرجان الدولي 3 للمعاهد المسرحية - الثلاثاء, 24 تشرين1/أكتوير 2017 10:24
متابعات - تغطيات صحفية: بلاغ نقابة مهنيي الفنون الدرامية - الإثنين, 23 تشرين1/أكتوير 2017 11:14
Blue Grey Red
بحوث - مقالات - دراسات

الفضاء العمومي ومسرح الشارع

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الأحد, 12 تشرين2/نوفمبر 2017 10:53

الفضاء العمومي ومسرح الشارع


بقلم ذ.عبيد لبروزيين


يرتبط مسرح الشارع بالفضاء العمومي، هذا الفضاء الذي أصبح مفهوما فلسفيا في المدرسة النقدية الألمانية مع أحد رواد الجيل الثاني، يورجين هابرمارس، هو مكان متاح لجميع المواطنين، وحاضنة للرأي العام، يشكل وحدة السياسة والأخلاق عند كانط. غير أن الإلمام به، يستوجب تتبع التطورات التي طرأت عليه عبر التاريخ، حيث كان قبل الثورة الفرنسية يتشكل من رجال البلاط والسلطة والكنيسة في النظام الفيودالي، بيد أن الثورة الفرنسية، أفرزت تحولات اجتماعية عميقة، فتحول الفضاء العمومي إلى حاضن للنخبة البرجوازية، أو الأنتلجنسيا، ومنذ ذلك الحين، أصبح مكانا تناقش فيه السياسة و"مسرحا" للأدب والفرجة.

عندما أصبح الفضاء العمومي على هذه الشاكلة، استغلته البروليتاريا والطبقات الشعبية، لإقامة عروض فرجوية مقابل المسرح البرجوازي، وأقصد التراجيديا والكوميديا في القاعة الإيطالية، وتم بذلك الإعلان عن بداية مسرح يقام في الساحات العمومية، والمقاهي، وأمام المسارح، والشوارع بأسلوب بسيط.

وقد شهدت فرنسا أولى العروض في شارع البولفار الذي كان "في القرن التاسع عشر اسما لبولفار في فرنسا، اشتهر بإيواء الجريمة (وقد دمر سنة 1862) عرف أيضا في هذا المجال بولفار سان مارتان وبولفار دوتومبل اللذان كانا "مسرحا" لمشاهدة تمثيلية هازجة وغامضة وبهلوانيات" باتريس بافيس، ص: 547

مسرح الشارع بهذا المعنى، مسرح يعرض في الأماكن العمومية، تقوم به عادة الفرق الجوالة، وهو يعتمد عناصر سينوغرافية بسيطة قابلة للحمل والاستعمال، وقد كان قبل سنة 1900م يشمل عروض الميم والبانتوميم وعروض السيرك. غير أنه بعد هذا التاريخ، ستضاف إليه أبعاد أدبية ودرامية، خصوصا بعد أن كتب نصوصه ثلة من الأسماء البارزة في ساحة الأدب، فظهرت عروض مسرحية في الشارع مثل "جون من القمر Jean de la lune  " سنة 1931م لمرسيل أشارد، و la petit hutte  سنة 1947م لأندريه روزين. وبعد هذه التجارب الناجحة، إنضاف إلى هؤلاء الكتاب جملة من المؤلفين من أمثال مرسيل بانيول وجون أنوي، ليأخذ هذا النوع من المسرح نوعا من المشروعية، خصوصا بعد أن ذكر في المعاجم المسرحية والفرجوية.

وعلى العموم، يمكن رصد اتجاه مسرح الشارع الدرامي مع ساشا كوتري سنة 1911م بعرضه un beau mariage  قبل أن ينضاف إليه ألفريد صفوار 1883-1934 وموريس داني 1859-1945 وبول جغاردي 1885-1983.

مسرح الشارع إذا، مسرح يقوم على تنظيم عروض مسرحية في الفضاءات العمومية، بأدوات بسيطة، وهو ينقسم إلى قسمين: مسرح الشارع الشعبي (حركات بهلوانية، سيرك، ميم، بانتوميم)، ومسرح الشارع الدرامي، وهو الذي تكون فيه النصوص الدرامية، ويراعي شروط العملية المسرحية. وعنه يقول باتريس بافيس "هذا النمط من التقليد المسرحي تأسس سنة 1907، وأفضل مثل أنه تطور بتأثير مضاد للكتابة "الثقيلة" القائمة على التخلي عن الموظفين الفنيين والتقنيين، وتعدد الديكورات وغناها، والأهمية الفائقة للجمهور في الصالة الإيطالية والخشبة المركزية أو مسرح الجماهير" باتريس بافيس ص: 547.

وبناء على ما سبق، نؤكد على ارتباط مسرح الشارع بالفضاء العمومي، باعتباره مفهوما فلسفيا، عرف تحولات جذرية عبر التاريخ بسبب التغيرات السوسيوثقافية، وأصبح فضاء متاحا لكل المواطنين، وخصوصا ما سماه كارل ماركس بالطبقة التحتية، وفي خضمه ستنطلق الإرهاصات الأولى لمسرح يبحث عن جمهوره خارج القاعة الإيطالية بإمكانيات بسيطة وتطلعات تعبيرية أكبر.


 

المتغير العلامي فـي الخطاب المسرحي

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

السبت, 07 تشرين1/أكتوير 2017 17:14

المتغير العلامي فـي الخطاب المسرحي


بقلم د. أحمد شرجي

تخضع اللغة عند (رولان بارت Roland Barthes) للنموذج الدوسوسيري، لأنها تشكل الأسس الرئيسة لفهم بنية الحياة الثقافية والاجتماعية لأي مجتمع. فالبنية الاجتماعية والثقافية ممارسة يومية يعتاد عليها الفرد، ومن ثم تصبح الأرضية التي يتعامل بها ، ومن ثم تتجه تمثلاتها في العرض المسرحي . وبالنسبة لبارت تدرس التمثلات الجماعية بدلاً من الواقع الذي تشير إليه كما في علم الاجتماع، وهذا ما نجده في مقاربته البنيوية و السيميولوجية لنظام الموضة أو الأزياء، إذ يحاول اختزال الظواهر الاجتماعية وإرجاعها إلى بيئتها لكونها وظيفة عامة. ويؤكد لنا هذا الاختزال البارتي مفهومنا للعلامات والتي نطلق عليها بـ "العلامات الجيلية و العلامات الترحيلية. ونعرف الجيلية: بأنها العلامات التي تحمل خصوصية الجيل، والعادات، والسلوكات، والتقاليد. أما العلامات الترحيلية: فهي العلامات التي ترحل من جيل إلى جيل، وتحافظ على رسوخها داخل المجتمع، لأنها هوية جيل وعلاماته. و تندرج اللغة ضمن هذا الإطار لكونها سلوكاً يومياً بين الفرد والمجتمع. ومن هذا المنطلق فإن العلامات قد تندثر عند الجيل اللاحق، أو يترحل بعض منها. بينما توحي العلامة عند (رولان بارت ) بثلاث علاقات، تشكل أنماط العلامة وعلاقاتها، وهي: - علاقة داخلية: توحد بين دالها ومدلولها، وتتضح معالمها من خلال العلاقة الترابطية التي تفرضها طبيعة الدال على المدلول، ولا يمكن لأحدهما العمل بشكل فردي، لأن ذلك معناه تقويض قصدية العلامة. - علاقة افتراضية: توحد بين العلامة و مخزون محدد من العلامات الأخرى قد تنهل منها بهدف ولوج عوالم الخطاب، وبالتالي تشكل علاقة خارجية. - علاقة فعلية: وهي توحد بين العلامة وغيرها من العلامات في الخطاب الذي يسبقها أو يعقبها، وهي أيضاً علاقة خارجية. لا يمكن التسليم بأن دلالة التعيين Denotation يقرأها المتلقي بذات القصدية الثقافية داخل الخطاب المسرحي، إذ يتوقف ذلك على عدّة عوامل، منها: ثقافة متلقي العرض، وثقافة الممثلين، وثقافة النص، وثقافة العرض. فقد لا ينتمي النص إلى ثقافة الممثلين وثقافة المتلقين، والأمر نفسه ينطبق على العرض المسرحي. بمعنى آخر: يتأسس العرض، بوصفه منظومة أنساق علامية، على ثقافته الأصلية التي كُتِب في ضوئها المعجم الدلالي للعرض، غير أننا نجد أنفسنا في الغالب أمام نص غادر زمن كتابته الأولى وهاجر سياقه الثقافي الأصلي. فالخطاب المسرحي يتضمن دلالات متعارف عليها، لكن رغم ذلك، يشوب العلامة المسرحية شيء من الالتباس بسبب الدلالة الحقيقية، إذ "تكتسب العلامة المسرحية حتماً معاني ثانية لدى الجمهور الذي يردها بدوره إلى القيم الاجتماعية والأخلاقية والإيديولوجية المعمول بها داخل الجماعة التي ينتمي إليها المؤدون والمشاهدون"( كير إيلام، سيمياء المسرح والدراما، ص:18). وهذا ما انتبه إليه (بيتر بوغاتريف Petr.Bogatyrev)، حين لاحظ قدرة حامل العلامة على الإشارة إلى ما وراء الدلالة الحقيقية، فضلاً عن الدلالة القصدية بشقيها الثقافي والمسرحي. وهنا يكون الحديث عن مرجعيتين ثقافيتين، هما: مرجعية ثقافة النص المسرحي ومرجعية ثقافة العرض المسرحي. فالمرجعية الأولى ذات ارتباط زمني بعلامات الزي والديكور، ونقصد زمن النص المسرحي الأدبي. وتفسَّر العلامات ¬هنا¬ وفق العلاقة الزمنية المشار إليها، أي وفق الانتماء والظرف الزمنيين. أما المرجعية الثانية فتربط العرض وعلاماته الثقافية بالمتلقي، لأنه المؤوِّل النهائي للعرض المسرحي. وحتى لو كانت العلامات المسرحية ترتبط مع بعضها البعض حسب ما ذهب إليه (بوغاتريف)، فإنها لا تشير ¬لحظة العرض المسرحي¬ إلى العلامة ذاتها التي طرحها النص الأدبي، بل تتحدد علاقتها المباشرة بالمؤول وموروثه الثقافي، من خلال إرجاع العلامات لا إرادياً إلى ثقافته وبيئته الاجتماعية. ولهذا استبدل بوغاتريف الدلالة الحقيقية بمصطلح آخر أطلق عليه: (الدلالة بالتضمن)، وتتمثل في كل عناصر العرض المسرحي. وتحكم العلاقة الجدلية بين الدلالة الحقيقية والدلالة بالتضمن كل مظهر من مظاهر العرض المسرحي، لأن "الديكور وجسد الممثل وحركاته وكلامه يحدد ويتحدد على الدوام عبر تغيّر شبكة من المعاني الأولية والثانوية"( كير إيلام، سيمياء المسرح والدراما، ص:19). وارتباطاً بتعددية الدلالة بالتضمن، تنتج العلامة المسرحية سلسلة من الوحدات الثقافية في العرض المسـرحي، وتكمـن قدرتها التوليدية في اتسـاع الدال بالتضمن، لأنه "مهما بلغت درجة تحديد مؤشرات الدل بالتضمن، فإنها تعتمد على قوة الاتفاقات الدلالية المعمول لها"( نفسه، ص:20). لكن هناك استثناءات، ففي المسرح الإغريقي ومسرح النو والكابوكي، تكون الأنساق العلامية والوحدات الدلالية ثابتة، بحيث يصعب التمييز بين الدلالة الحقيقية والدلالة بالتضمن، بل تختفي دلالة التضمن نهائياً، لأن العرض لا يحيد عن أنساقه العلاماتية المحددة مسبقاً والتي يدركها المتلقي جيداً. يحدد صناع العرض المسرحي الوحدات الدلالية، بناء على الاتفاقية التي اعتمدت أثناء التداريب، لكن تتغير قصديتها أثناء العرض من متلق إلى آخر، لأن "قابلية المشاهد الحقيقية لإدراك ترتيب ¬ثانوي للمعاني في عملية فك كودات العرض، تعتمد على القيم خارج¬ المسرح والقيم الثقافية العامة التي تحملها بعض المواضيع وضروب الخطاب أو أشكال السلوك"( نفسه، ص:21). وفقاً لذلك، فإن العرض المسرحي "آلة سبرنطيقية" كما يقول رولان بارت، ويضاف إلى قدرة علاماته التوليدية قابلية العلامات على التأويل المستمر. فالعرض المسرحي بوصفه دلالة، بمقدوره توليد العديد من الدلالات التي تعمل بدينامية داخل العرض المسرحي، وتتحول إلى دلالات بالتضمن لكونها تخضع لثقافة المؤول من جهة، وتذعن لمجموعة سلوكات وعقائد دينية واجتماعية وأخلاقية، لأن "عالم التوليد السيميائي هو عالم متحرك. وأن نفترض أن له بنيات لا يعني أبداً أننا نفترض أنه ثابت: إن الأمر يتعلق، على العكس من ذلك، بالتعرف على آليات تغير بنيته"( إيكو ، أمبرتو، العلامة تحليل المفهوم وتاريخه، ص:179).

 
 

نحو تأسيس فينومينولوجيا المسرح

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

السبت, 07 تشرين1/أكتوير 2017 16:37

نحو تأسيس فينومينولوجيا المسرح: عن ظاهرة المسرح بوصفها ممارسة اجتماعية

بقلم الناقد عبد الناصر حنفي - مصر

في مهمة وصف ظاهرة المسرح:

الممارسة الجمالية أيا كانت طبيعتها أو نوعيتها هي بالأساس محاولة تستهدف "الذهاب إلى العالم" وإعادة إنتاجه على نحو مستمر، ولذلك فهي بالضرورة تقطع ذلك الأفق الاجتماعي الذي يفترض أنها تنطلق منه وتعود إليه، وبالتالي فما هو جمالي لا يفلت أبدا مما هو اجتماعي بغض النظر عن تعقد خطوط التباين وعمليات الإحالة المتبادلة بين كل منهما، أو مستوى التباعد الذي قد يجمعهما، أو كثافة العماء الذي قد يفصل بينهما. وبالمقابل، فلا مجتمع يستطيع الإفلات من مواجهة عماءه الخاص أمام العالم، وتلك المواجهة لا يمكن استحضارها أو النفاذ إلى ساحتها إلا عبر الممارسة الجمالية!

وبالطبع فما هو مسرحي يتقاطع مع هذه الدائرة، ولكن مع اختلاف بارز وحاسم بقدر ما هو غير ملحوظ عادة، فالممارسة الجمالية/المسرحية هي في مجمل تبدياتها ممارسة اجتماعية بالمقام الأول، وباستثناء عنصر النص الدرامي؛ فإن ظهور ما هو مسرحي بوصفه ممارسة جمالية يستلزم ويشترط بصورة مسبقة أن يكون قد تم التأسيس له أولا بوصفه ممارسة اجتماعية ذات انتظام خاص.

ولكن هذا "الاختلاف المسرحي" يظل مطمورا ومطويا أسفل عباءات الخطاب النظري السائد، والذي لا يرصده إلا باعتباره مجرد شرط إجرائي مكمل ومحايد وبلا تأثير ملحوظ على مسارات ما هو جمالي. فطبقا لهذا الخطاب: ما من نوع فني إلا وله متطلبات إجرائية ومادية مسبقة تمهد لظهوره، ولكنها جميعا لا تعني النظرية الجمالية في شيء ما دامت متماثلة دائما بالنسبة لكل عمل فني نوعي، وأنه حتى إذا افترضنا أن هذه المتطلبات قد يكون بمقدورها استحداث "انحراف جمالي" في مسار العمل الفني فهذه التأثيرات عادة ما تكون ضئيلة بحيث يمكن إهمالها مثلما نفعل مع الأخطاء الطباعية التي قد تخترق نصا ما، أما إذا تكاثرت هذه الانحرافات وأدت إلى "تشويه" لا يمكن تجاهله فنحن هنا نتحدث عن "مادة فنية" لا تفي بتعريف "العمل الفني" وبالتالي فهي خارج سياق اهتمام النظرية الجمالية.

غير أن هذا التحليل لا يستقيم أمام "الممارسة المسرحية"، فما هو مسرحي لا يمكن اختزاله إلى ممارسة اجتماعية تسبق الفعل الجمالي ثم تسير بمحاذاته بحيث أن تلاقيهما أو تصادمهما يمكن أن يعد مجرد انحراف عابر وطارئ، إذ أن التلاقي المستمر والدائم بين شقي الفعل المسرحي (الاجتماعي والجمالي) هو المسار الوحيد الممكن لظهور العمل المسرحي، وهو وسيلته في إنتاج ذاته واستحضارها إلى العالم وحفظها وتجديدها طوال زمن حياة العرض، بحيث يمكننا القول أن ما هو جمالي هنا لا يظهر إلا بوصفه أثرا لممارسة اجتماعية ذات طبيعة خاصة، وأن هذا الظهور أيا كان نمطه الجمالي أو الدرامي أو شكله النهائي مرهون بحصيلة تفاعلات المجموعة "الاجتماعية" المنضوية تحت عباءة الفعل المسرحي.

وهكذا، فمن الواضح أن النفاذ إلى ظاهرة المسرح من أجل إنجاز وصف فينومينولوجي لها؛ هو مهمة لا يمكن أن تقنع بالبداية مما هو جمالي فحسب، مثلما لا يمكنها أن تقتصر عليه، فهذا أمر يشبه محاولة رسم خريطة لطريق ممتد ومتشعب من خلال وصف بعض منحنياته، أو رصد بعض المناطق التي يمر بها، وبالتالي فمهما كان الرسم والوصف جيدين ودقيقين إلا انهما لن يمنحانا أبدا فكرة واضحة عن هذا الطريق. ولذلك ينبغي إعادة تأسيس مهمة الوصف الفينومينولوجي للمسرح باعتباره ممارسة اجتماعية بالمقام الأول، وهي ممارسة تقطع طريقها نحو ما هو جمالي لتعود مرة أخرى إلى أفق ما هو اجتماعي.

عقبات وإشكاليات:

ومن أجل السعي إلى إنجاز هذه المهمة فنحن مبدئيا بحاجة إلى إطار منهجي دقيق يصف خرائط التفاعلات والتداخلات بين ما هو اجتماعي وما هو جمالي بوصفهما ممارسات متعينة في الواقع وليس باعتبارهما مجالين تجريديين للممارسة الإنسانية، بحيث نتمكن عبر معالجة هذا الإطار المنهجي من اشتقاق ما يخص الظاهرة المسرحية.

ولكن من المؤسف أن الخطاب النظري الراهن لا يوفر مثل هذه الفرصة، إن لم نقل إنه يعمل في اتجاه معاكس لها، سواء فيما يخص المسرح، أو فيما يتصل بالحدود القصوى لعلاقة الظاهرة الاجتماعية بالممارسة الجمالية. وهو ما ينبغي أن نتوقف قليلا لتحليله.

في نسيان المسرح:

ثمة أزمة تاريخية في التناول الجمالي للظاهرة المسرحية، بدأت مع تحليلات أرسطو التي لم تهمل تماما رصد بعض تعينات "الأداء المسرحي" بوصفه حالة أكثر اختلافا وتنوعا عن "النص اللغوي" الذي تتمحور حوله "الدراما"؛ إلا أنها تعاطت معها بوصفها مجرد "أعراض" أو تفصيلات ثانوية مشتقة من "الجوهر" الأصلي الكامن في "النص المسرحي"، وهو التوجه الذي هيمن على كافة التيارات الجمالية والمداخل الاستطيقية اللاحقة، بحيث يمكننا الحديث عن حالة مزمنة ومتواصلة من النسيان لما هو مسرحي مقابل فرط الانهمام بما هو درامي.

ومع أن ظاهرة "الحداثة" قد شهدت إعادة تكريس الحالة المسرحية بوصفها جنس أدائي متعالي أو متجاوز للمكون الأدبي الذي سجنها أرسطو داخله، بحيث لم يعد من الممكن تجاهل خصوصية ظواهر الأداء المسرحية أو مواصلة اعتبارها مجرد أعراض أو تبديات متناثرة يهيمن عليها حضور جوهر أصلي؛ إلا أن ما صاحب هذا المسار من انفجار المناهج التحليلية الجمالية وانبعاث وعي نظري ومهني هائل ومدقق بتقنيات الأداء وبالعناصر المكونة للعرض المسرحي قد افضى إلى حالة ليست أقل إرباكا من الوضعية الأرسطية إذ بدا وكأننا نتعامل مع "خشبة المسرح" أو المجال المسرحي بصفة عامة وكأنه مجرد ساحة تجميع أو التقاء و"تمازج" ظواهر وعناصر أدائية متباينة، وهكذا فبدلا من الهيمنة التاريخية لعنصر الدراما أصبحنا أمام تنازع عدد كبير من العناصر المسرحية التي يتمتع كل منها بنظريات جمالية مؤسسة ومداخل وتحليلات وصفية وتقنية تمثل كشوفا عميقة ومدهشة، وهو ما أدي إلى سيادة "يقين" أننا نعاين لحظة انكشاف الظاهرة المسرحية بصورة تامة ونهائية!

وبالطبع فلا يمكن تجاهل أننا بتنا نمتلك زخما معرفيا ومنهجيا غير مسبوق بالمسرح، وهو ما يعني أننا قد أصبحنا أشد اقترابا من ماهية هذه الظاهرة أكثر من أي وقت مضى، غير أن هذا لا ينفي أننا لا زلنا نتعاطى مع "ما هو مسرحي" بدلالة عناصره التكوينية، وأن كل مقاربة يقدمها الخطاب المسرحي تقوم مسبقا على عملية ترجيح واختيار، أو حتى التقاط؛ لعنصر أو عناصر على حساب أخرى، وهذه المفاضلة الدائمة والمستمرة تعمل على حفظ وضعية "نسيان المسرح" بعيدا عن التأمل والملاحظة، وتبعدنا عن الأسئلة الجذرية المتعلقة بما هو مسرحي، إذ أن كل هذه العناصر توجد؛ أو يمكن أن توجد على نحو مستقل خارج المسرح، وأغلبها له أصول غير مسرحية أصلا، وجميعها قابلة للحذف والاستبدال ولتقليص حضورها في العرض المسرحي إلى اقصى حد يمكن تخيله، كما يمكن تحويلها إلى شكل منبت الصلة بمنشئها الأصلي، مثلما تم تحويل ما هو درامي إلى حالة بعيدة تماما عن أصله الأدبي واستحضاره في الأفق المسرحي دون استخدام أي فعل تواصل لفظي!

ولذلك فكل هذا الزخم المعرفي والفوران المنهجي المتعلق بالعناصر والتقنيات المسرحية لا يستطيع أن يقربنا كثيرا من الإجابة عن سؤال: "ما هو المسرح؟"، أو ما هي تلك "الفعالية" التي تمنح هذه العناصر والتقنيات وجهها المسرحي وتحدد شكل ومساحة حضور كل منها؟ وكيف تفعل هذا؟ وما الذي يحكم هذا الحراك ويحدد اتجاهاته؟ وكيف يستطيع إعادة إنتاج نفسه وحفظ بقاءه في الواقع المعاش؟

وكل هذه الأسئلة تصب في المهمة الأساسية المعلقة وغير المنجزة بل وتكاد ترسم بعض المسارات التي يتعين عليها المرور بها، أي مهمة الوصف الفينومينولوجي للمسرح، والتي أعتقد أنه لا يمكن مقاربتها إلا عبر التعاطي مع ما هو مسرحي بوصفه ممارسة اجتماعية ذات صبغة جمالية خاصة. وهو ما ينقلنا إلى الجزء التالي من هذا التحليل.

من الاجتماعي إلى الجمالي: تباعد وتفتت:

العلاقة المنهجية بين الاجتماعي والجمالي يمكن بلورتها -دون إخلال كبير- في إطار ثنائيتين تعاقبتا على الهيمنة على هذا المنظور، أولهما "التأثير/التأثر" وهي ثنائية متلازمة أي لا يمكن حضور أحد طرفيها دون حضور الآخر، والثانية هي "الإبداع/التلقي".

والثنائية الأولى كانت موضوع صراعات أيديولوجية شرسة انتهت إلى إقرار بارد يعوزه الحماس بعلاقة الترابط بين الفن ومجتمعه. غير أن ما يهمنا هنا هو أن هذه الثنائية بكافة طبعاتها ومداخلها قد رسخت معادلة أساسية تحكم، ولا زالت؛ تحليل حركة العطاء بين العمل الفني والمجتمع، وبمقتضاها يصبح العطاء الاجتماعي للعمل مجرد اشتقاق أو متغير تابع لعطائه الجمالي، ومرهون به، بمعنى أن العمل المنخفض جماليا، أو الذي لا يقدم مردودا جماليا ملحوظا هو بالضرورة لا يقدم؛ بل ولا يمكن له أبدا أن يقدم؛ مردودا اجتماعيا جيدا أو ملحوظا.

وبغض النظر عن مدى انطباق هذه المعادلة على الفنون الأخرى، فهي تبدو وكأنها تقصي تماما من التفكير تفاعلات -وبالتالي عطاءات- الممارسة الاجتماعية التي يقوم عليها العرض المسرحي، وكأن هذه الممارسة، التي ينشط داخلها وحولها أفراد يعودون إلى مواقع اجتماعية متنوعة؛ معزولة عن التفاعل مع ذاتها، أو التفاعل مع الممارسات الاجتماعية الأخرى التي تتقاطع معها في الواقع الفعلي! وبالتالي فإن الإذعان المسرحي لهيمنة تلك المعادلة ساهم دائما في حجب هذه الظاهرة عن نفسها وبتر وعيها بحضورها وامتداداتها الدقيقة - والمؤثرة! - في الفضاء الاجتماعي.

أما ثنائية "الإبداع/التلقي" النشطة حاليا فهي تنتشر في فضاء لا يكاد يميز نفسه إلا عبر الاتكاء على طرفيها بوصفهما عمليتين أو لحظتين حديتين. وفي هذا الإطار يتم تكريس لحظة الإبداع باعتبارها "فعل" منقضي ومنتهي يتشكل بصورة مسبقة من تلاقي أو تصادم مجموعة هائلة ولا نهائية تقريبا من المنابع والروافد التي قد يأتي ما هو اجتماعي بوصفه أحد مكوناتها، فيما ستبدو لحظة التلقي باعتبارها "حدث" أكثر امتدادا وتبعثرا واضطرابا في أفق الزمان، يقوم به فاعلون متعددون لا يمكن -مبدئيا- حصرهم أو تعيينهم إلا بوصفهم موضوعا للتحليل والتأويل أو باعتبارهم منتجي هذا التأويل.

وعلى هذا النحو ستعمل هاتان اللحظتان وكأنهما معبر أو نقاط تفتيش "نقدية" للعلاقة بين الفضاء الاجتماعي والأفق الجمالي والفني! بحيث سيبدو وكأن مهامهما تنحصر في ضبط علاقات المرور بين هذه الظواهر! وفي هذا الإطار سيتم استخدام مقولات ومفاهيم حضور "ما هو اجتماعي" بكافة أشكاله باعتباره ذلك المهاد الذي يجمع بين فعل الإبداع الفني وفاعله، من جهة، وبين حدث التلقي الجمالي وفاعلوه من جهة أخرى؛ وهو ما يتم عادة عبر العودة إلى ما يوفره المدخل الاجتماعي من قواعد أولية تطرح نفسها كأفق حضور مسبق ومشترك بين عمليتي الإبداع والتلقي بحيث يمكن استخدامه كمرتكزات لبناء تأويلات جمالية جديدة، أو تكريسه كحجر أساس في أي محاولة تهدف إلى تحديد هوية أكثر تعينا وأقل تجريدا لمتلقي العمل الفني مما يتيح حصر وتصنيف أنماط استجاباته القائمة أو المتوقعة.

وهكذا، فمقابل ثنائية التأثير والتأثر التي تباعد بين الاجتماعي والجمالي وتضع كل منهما إزاء الآخر وفي مواجهته وكأنهما ظواهر متباينة ومنفصلة، فإن الثنائية "الانتشارية" للإبداع والتلقي تكاد تحول ما هو اجتماعي إلى مجرد رافد أو صدى لما هو جمالي، وفي هذا السبيل فهي تفتته وتقطع أوصاله كلما كان هذا ضروريا للتحليل.

ومن جهة أخرى، فإن ثنائية "الإبداع/التلقي" تتعثر في مصاعب نظرية كبيرة أمام "الممارسة المسرحية". فمثلا لحظة الإبداع التي هي طبقا لهذا التناول مجرد استجابة مكتفية بذاتها ومنغلقة عليها، بحيث أنها لا تكاد تنفتح إلا أمام متطلباتها وشروطها الخاصة بوصفها أقرب إلى موجة متذبذبة من القلق الوجودي الذي يسعى لاستحداث حالة توازن "أخيرة" في العلاقة بالعالم، هذه اللحظة قد يمكنها تفسير بعض مسارات عملية إبداع النص المسرحي بوصفه عملا يخص كاتبه، ولكنها في النهاية تقدم نموذجا أكثر بساطة من أن يستطيع وصف أو حتى استيعاب تعدد وتشابك وصراعات وارتباكات ومساومات وتنازلات الفاعلين في الممارسة المسرحية، وانقلاباتهم المستمرة على الحلول أو "لحظات التوازن" التي يمرون بها طوال مراحل حياة العرض المسرحي.

وبالمقابل "فلحظة التلقي" المسرحي ليست اقل تعقيدا وتراكبا، فهي بعيدة عن أن تكون محض نقطة زمنية معلقة في فراغ يمكن ملئه بالتأويلات الجمالية، ولا هي حدث مفرد يخص فاعل مجرد، ولا هي أيضا لحظة أو حدث مكتفي بذاته أو مبتور الصلة بما يسبقه أو يليه أو يجاوره من أحداث أو وقائع تظهر أو تحضر في سلسلة النقاط الزمنية المتتابعة بلا توقف؛ بقدر ما هي حدث حقيقي متصل في زمن حقيقي متصل، فهي حدث جماعي ممتد، ومتكرر، وبالتالي فهو قابل للانقسام والاختلاف والانشقاق على ذاته، مما يجعله شديد الحساسية لكل ما يسبقه أو يجاوره من أحداث قد تبدو مفتقرة لأي صلة مباشرة بالعمل المسرحي.

تأملات حول نقطة البداية: المسرح بوصفه مؤسسة لإنتاج العالم:

تعرضنا حتى الآن لضرورة إنجاز مهمة الوصف الفينومينولوجي لظاهرة المسرح انطلاقا من كونها ممارسة اجتماعية بالمقام الأول، وحللنا العديد من العقبات المنهجية والنظرية التي تكاد تجعل هذه الإنجاز شبه ممتنع، ولكن يبقى سؤال: إلى أين يمكن أن تفضي بنا هذه المهمة؟ وهل هي شيء أكثر من مجرد مماحكة منهجية أو انهمام فلسفي ضيق لا يخص سوى ذاته؟ ولمناقشة هذه الأسئلة علينا أن نطرح بعض التأملات حول خصوصية الظاهرة المسرحية.

أولا: العرض المسرحي هو الفن الوحيد على سبيل الحصر الذي بدأ وتطور بوصفه ممارسة منظمة بشكل مؤسسي لإنتاج الفعل الجمالي على نحو يمكن تكراره في سياقات مختلفة ومتباينة وذلك عبر ممارسة جماعية تطبق مبادئ صارمة وشديدة التطلب والرهافة في تقسيم العمل بين أعضائها، إنه المساحة التي تتلاقى فيها مجموعة اجتماعية مع ذاتها ومع عالمها لتبلور ما يمكن تقديمه إلى فضائها الاجتماعي الأعم، ولذلك فالممارسة المسرحية هي بالضرورة: جماعية، ونظامية، ومعلنة، ومتداخلة مع غيرها، وعامة؛ أي أنها ممارسة لا تخص فردا بعينه، وبالتالي فلا يمكن العودة بما تقدمه -في مجمله- إلى أي تمثل نابع من وعي فردي محض، وهو ما يجعلها - بامتياز- الساحة التي يلاقي فيها الوعي الاجتماعي ذاته ليستكشفها ويتأملها.

ثانيا: ومن جهة أخرى، هناك مسار ظهور مختلف تماما لما هو مسرحي مقارنة بكافة الممارسات الجمالية، ففيما تقدم هذه الأخيرة نفسها بوصفها خيال يذهب نحو الواقع أو يبحث عن نقطة تلاقي معه، فإن العرض المسرحي يقدم نفسه بوصفه واقع يذهب نحو الخيال، فالمسرح في النهاية سلسلة من الوقائع المنتظمة، أو الأحداث الفعلية "المعاشة" في مكان بعينه وزمان بعينه، ولكن مع نفي أو حذف أي استجابة مباشرة مرتبطة بها مما يفسح المجال أمام استجابة جمالية أكثر تعاليا تعيد تنظيم ترابطات هذه الوقائع في أفق يجلبها إلى العالم على نحو مغاير.

ثالثا: ولكن ما هي العلاقة بين ما هو معاش مسرحيا، وما هو معاش في العالم؟

إننا لا نتكون بوصفنا ذوات ولا ننتج العالم ونعيد إنتاجه إلا عبر ما هو معاش، ولكن المعاش هو بطبيعته عارض وطارئ وتصادفي ومختلف في ذاته ومع ذاته، وكثير منه غارق في المباشرة التي تجعله غير ملحوظ، وهو لا يظهر إلا عبر سلاسل من الوقائع والأحداث المتعاقبة بلا نهاية والتي يكتنفها الغموض و"المصادفة" والعماء، أما "المعاش المسرحي" فمن غير الممكن إنتاجه إلا وفقا لإطار أو ممارسة أكثر تنظيما تحل محل البنى والسياقات التي تنتج المعاش في الواقع اليومي، وتمنحه قابلية التكرار وتباعد بينه وبين المصادفة.

رابعا: وعلى هذا النحو تتجلى ظاهرة المسرح بوصفها أحد مؤسسات إنتاج العالم المعاش على نحو يتداخل بعمق في كشف وتعيين بعض أنماط وكيفيات ظهوره عبر استبدالها بحالات وأنماط "الحضور" المسرحي، ومن خلال هذا التصدع الفارق بين "حدث ظهور العالم" في الواقع وفعل استحضاره في المسرح تنفتح أمامنا طرق ذهابنا إليه وتتداعى إلينا سبل الخوض في استكشاف عماءه.

وبالتالي فإن إنجاز وصف فينومينولوجي متكامل لظاهرة المسرح هو أمر يتعدى كونه شأنا جماليا، بقدر ما هو خطوة في مسار وعينا بالعالم كما هو وبما هو.

 
 

نوبل: تحدي الاستحقاق وصواب الاختيار

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الجمعة, 06 تشرين1/أكتوير 2017 11:34

نوبل للسلام: تحدي الاستحقاق وصواب الاختيار


بقلم جمال الدين بن العربي - أوسلو / و.م.ع

في الوقت الذي يتم فيه إعلان قرارات منح جوائز نوبل لمختلف الأصناف في جو من الارتياح، لا تزال جائزة نوبل للسلام تسيل الكثير من المداد بعد أن أثير اسم الحائزة عليها سنة 1991 واتهامها بالتغاضي عن مأساة أقلية الروهينغا في ميانمار.

ويسلط موسم 2017 لجوائز نوبل الضوء على رئيسة الحكومة ومستشارة الدولة في ميانمار، أونغ سان سوتشي، خاصة مع دعوة عدة منظمات إلى سحب الجائزة منها لتحميلها مسؤولية عدم وضع حد للأحداث الجارية في بلادها ضد أقلية الروهينغا المسلمة.

وفي تطور لقضيتها أعلنت بريطانيا عن تجريدها من وسام "حرية أكسفورد" الذي منحتها إياه سابقا، وهو لقب يمنح للأشخاص المتميزين الذين عملوا على تقديم خدمات بارزة للمدينة.

وأعرب بوب برايس، رئيس مجلس بلدية أكسفورد البريطانية عن دعمه لخطوة تجريد سوتشي من الوسام، مؤكدا أن الناس "يشعرون بالجزع الشديد" بسبب الوضع في ميانمار.

كما تحل دورة 2017 وسط تطورات بين الصين والنرويج، التي تستضيف لجنة نوبل للسلام، بعدما حملت اللجنة، خلال يوليوز الماضي، بكين المسؤولية الكبرى عن الوفاة المبكرة للمعارض ليو شياوبو، الذي فاز بجائزة نوبل للسلام برسم سنة 2010.

وقد توفي المعارض الصيني ليو شياوبو في 13 يوليوز الماضي عن عمر يناهز 61 عاما في المستشفى حيث شددت عليه الحراسة.

ويعتبر ليو أول حائز على جائزة نوبل للسلام يتوفى معتقلا منذ وفاة داعية السلام الألماني كارل فون أوسيتسكي في سنة 1938 في المستشفى بعد أن اعتقلته السلطات النازية.

وكانت العلاقات بين النرويج والصين قد جمدت بسبب منح ليو شياوبو هذه الجائزة المرموقة، إلا أنها عادت لطبيعتها بإعلان البلدين في بلاغ مشترك توصلهما من خلال مناقشات دقيقة وعديدة، على مدى الأعوام الماضية، إلى مستوى من الثقة يسمح باستئناف العلاقات بينهما.

كما تعرف هذه الدورة غياب رئيسة لجنة نوبل للسلام، كاسي كولمان فايف التي توفيت في فبراير الماضي عن عمر يناهز 65 عاما، بعد معاناة، منذ سنة 2014، من سرطان في الثدي.

وقال حال المرض دون حضور الراحلة حفل تسليم جائزة نوبل للسلام خلال السنة الماضية والتي عادت للرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس.

وكانت كولمان فايف (ازدادت سنة 1951 بأوسلو) عضوا في مجلس النواب من 1981 إلى 1997، و ترأست حزب المحافظين بين 1989 و1990، وترأست منذ مارس 2015 لجنة نوبل للسلام خلفا لـ ثوربيورن ياغلاند الذي أقيل من منصبه.

وتجد اللجنة عادة صعوبة في تحديد من تؤول إليه أهم جائزة في العالم، رغم أنه يمكن أن تحجب إذا لم يتم اختيار أي شخص أو هيئة لنيلها، وهو أمر تم في دورات ماضية خاصة في سنوات الحربين العالميتين.

وتتكون لجنة نوبل للسلام من خمسة أعضاء يختارهم البرلمان النرويجي بناء على وصية من ألفريد نوبل مؤسس الجائزة.

ورغم أن العديد من الأسماء يتم تداولها بقوة لنيل الجائزة ومنها مجموعة "الخوذ البيضاء" التي تعمل في مجال التطوع بسوريا، إلا أن نتائج اللجنة تبقى سرية في انتظار الإعلان الرسمي عن الفائز أو الفائزين باعتبار أنه يمكن أن تمنح لعدة شخصيات، أو لمنظمة معينة.

كما أنه من ضمن الأسماء المتداولة لنيل الجائزة العميل السابق في وكالة الأمن القومي الأمريكي إدوارد سنودن، و الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين.

وهناك توقعات بأن تمنح جائزة سنة 2017 لأطراف جهود منع انتشار الأسلحة النووية والتي مكنت من التوصل إلى الاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة.

وتبقى مسألة الاختيار صعبة، خاصة أن عدد طلبات الترشيح التي توصلت بها اللجنة بلغ 318 ترشيحا، حيث يعد هذا الرقم الثاني بعد الذي سجل خلال سنة 2016 بنحو 376 ترشيحا.

وتشمل ترشيحات السنة الجارية 215 شخصا و 103 منظمة مدنية. وتبلغ قيمة الجائزة نحو 1.1 مليون دولار، وتقدم للفائز في 10 دجنبر المقبل بالعاصمة النرويجية أوسلو.

وكانت قد منحت الجائزة لأول مرة في سنة 1901، و يتم الإعلان عن الفائز في شهر أكتوبر. بينما الأكاديمية السويدية للعلوم تمنح جوائز نوبل الأخرى الخاصة بالآداب والكيمياء والفيزياء والطب والاقتصاد.

 
 

دراسات الفرجة: أفق بحثي متجدد

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الثلاثاء, 03 تشرين1/أكتوير 2017 18:39

دراسات الفرجة: أفق بحثي متجدد


بقلم د. خالد أمين (عن الفرجة)

أدى المسرح على مر العصور دور أداة استثنائية للتحويل؛ لأنه يملك قوة تحويلية طاغية، ولكن ما علاقة ذلك بأنواع العروض الأخرى؟ وأية خبرة جمالية تفرزها الطقوس والأعياد والمباريات الرياضية والتجمعات السياسية لكي نطلق عليها مصطلح عروض؟ وهناك بعض العروض الثقافية، التي أطلق عليها الطليعيون اسم “عرض”، ربما لأنهم كانوا يأملون في أن تتحول هذه العروض إلى عروض مسرحية، أو ربما اعتبروا هذه العروض محاولات لتقديم نموذج جديد للمسرح يفتقر له القرن؛ لأنهم أدركوا أهمية القوة التحويلية للعرض.” (إيريكا فيشر ليشته، جمالية الأداء، 346)

* إشكالية الاصطلاح:

منذ الكتاب المؤسس “أبحاث في المسرح المغربي” للدكتور حسن المنيعي تم تداول وترسيخ ‘الفرجة’ من حيث هي مفهوم مفصلي في أدبيات النقد المسرحي المغربي. يؤكد المنيعي: “أن تحديث الفرجة المغربية لا يمكن أن يتحقق في فعل الانغلاق على التراث، واستحضاره نموذجا مضادا للنموذج المسرحي الغربي، وإنما أيضا في فعل الانفتاح على الممارسة الغربية،والتعامل مع أشكالها القديمة والمستحدثة”(1) يغدو استعمالنا لكلمة “فرجة” في المغرب كونه مرادفا وليس بديلا لمفهومي “العرض” و”الأداء” لدى إخوتنا في المشرق العربي، ذلك لأن “الفرجة” كلمة جد متجذرة من حيث التداول نظرا لمكانتها السامقة في متخيلنا الفرجوي الشعبي. كما أن “العرض الفرجوي” يؤدي نفس معنى “فرجة” spectacle في اللغة الفرنسية. ومع ذلك، فإن “الأداء” قد يوحي بأحادية الإنجاز خاصة حينما يتعلق الأمر بالمسرح وباقي الفنون الأدائية الأخرى التي لا يكتمل تحققها إلا بحضور الجمهور كطرف ثان في المعادلة.(2)

الفرجة، بالنسبة لنا، هي أشمل من الأداء ومن المسرح، ذلك لكونها تستوعب الاثنين معا، بل و تتجاوزهما لتشمل الشعائر، والاحتفالات، والمراسيم، والسيرك، وأشكال الاحتجاج الجماهيرية، والسلوكات الفرجوية الشعبية من قبيل الحلقة، إمعشارن، رقصات أحواش و أحيدوس، وبابا عيشور، و بوجلود (بيلماون)، و سونا… لقد اكتسبت كلمة “فرجة” بالتدريج في اللسان العربي المعنى الذي تشير إليه كلمة spectacle، و المتفرجspectateur.(3) وإذا ما تتبعنا المسارات الإيتيمولوجية لكلمة “فرجة” في مختلف المعاجم العربية سنجد أنها تطورت من “الشق بين الشيئين” كما هو وارد في الذكر الحكيم “وإذا السماء فرجت”، أي انشقت، إلى “انكشاف الغم ومشاهدة ما يتسلى به” و”الخلوص من الشدة والهم”، مرورا ب ’الفرجة في الصلاة’ وهي الفجوة والخلل في الصف، والمقصود الشرعي من إثارتها كمنفذ للشياطين هو الدعوة لعدم ترك الفرج (بمعنى الفجوات) بين المصلين.

والحال أن الاستعمال الأخير يتضمن في خلفيته معنى إحداث تأثير في النفس والآخرين (انكشاف الغم، ومشاهدة ما يتسلى به). لقد أصبحت “الفرجة” اسما جامعا للعديد من السلوكات الفرجوية، لكن مع مراعاة مقتضى الحال. فدلالة التضمين في كلمة “فرجة” تشمل دلالة اللفظ على جزء مسماه باعتبار ‘مشاهدة ما يتسلى به’ الذي يحيل مباشرة لردود فعل المتفرجين أثناء فعل المشاهدة/ المشاركة. كما أن تداول كلمة “فرجة” في المغرب هو أكثر قوة من المشرق. باختصار، تنطوي “الفرجة” على قوة الفعل وردة الفعل، وهي بذلك تظهر المقصود بأبلغ لفظ.

أما “الأداء” بمعنى Performance، كما يؤكد مارفين كارلسن في كتابه Performance: a Critical Introduction “الأداء: مقدمة نقدية”، فهي كلمة متعددة المظاهر ومتشعبة المعاني إلى درجة يصعب حصر كل مجالاتها الدلالية و أوجه استعمالاتها؛ بالإضافة إلى كون Performance ظاهرة أمريكية بامتياز، من الناحية التاريخية والنظرية، رغم انتشار المفهوم وتداوله عالميا.(4) ف ’الأداء’ performance، على سبيل التمثيل، لا تؤدي نفس معنى ‘فن الأداء’ performance art، ذلك أن الأولى قد تحيل أيضا بشموليتها إلى أداء محرك سيارة ما بينما يحيل ‘فن الأداء’ إلى حدث مشهدي استثنائي وعابر قد يعتمد على توليف يجمع بين فنون مختلفة…. كما أن كلمة performance تطرح مشاكل عدة حينما تترجم إلى اللغات الأخرى. أمثل لهذا بعدم وجود مرادفات دقيقة لها بالفرنسية تفيد مختلف الدلالات الأخرى بالإضافة إلى كلمة spectacle.

لقد أصبحت كلمة فرجة في مدونة النقد المسرحي المغربي جد متجذرة من حيث التداول، لذلك كان من الضروري الارتقاء بها كي تصبح مفهوما إجرائيا في الأوساط الأكاديمية… وقد بدأ التقعيد النظري لهذا الاشتغال مع أستاذنا والأب الروحي لمشروعنا الحالم ومؤسس حقل دراسات الفرجة بالمغرب، الدكتور حسن المنيعي الذي أعاد الاعتبار للفرجة في المجال البحثي منذ كتابه الأول “أبحاث في المسرح المغربي” مرورا ب “المسرح المغربي من التأسيس إلى صناعة الفرجة”… وإنما سعينا بمعية الثلة الكريمة من رفاقنا في المركز الدولي لدراسات الفرجة هو المضي قدما لتنزيل مجال دراسات الفرجة منزلة رفيعة في الجامعة المغربية.

** مفهوم ‘الفرجة’ في مدونة النقد المسرحي:

يدفعنا مفهوم الفرجة إلى إعادة النظر في السلوكات الفرجوية الخارجة عن دائرة الممارسة المسرحية الصرفة؛ والأهم من هذا هو إعادة تقييم مفهومنا للمسرح. تبرز الباحثة ديانا تايلر Diana Taylor في معرض حديثها عن فرجات أمريكا اللاتينية –التي تشبه وضعيتنا الما بعد استعمارية في الكثير من المناحي- أنه بات من الضروري “أن نتخلى عن المفهوم التقليدي للمسرح؛ يجب أن نعوض كلمة مسرح ب”الفرجة”، وهي الكلمة التي تتيح لنا إمكانية إدماج كل أنواع فنون الأداء التي تركها المسرح وراءه، كما تمكننا من النظر إلى المسرح في حد ذاته من وجهة نظر نقدية.”(5) مع المنعطف الفرجوي ابتداء من ستينيات القرن الماضي بدأت شعب الدراسات المسرحية تعيد النظر في تركيزها على النصوص الدرامية أكثر من العروض الفرجوية. فأصبح الكل يتطلع لاستقبال زمن الفرجة، وهو الزمن الذي أعاد الاعتبار لنص الفرجة باعتباره نصا جامعا تنكتب فيه ومن خلاله مجموعة من النصوص الأخرى بما فيها نص المؤلف، ونص المخرج، ونص الممثل، ونص السينوغراف… وصولا إلى نص المتفرج.

لقد حوَّل البحث الجامعي الاهتمام إلى الخاصية الإنبعاثية للفرجة عكس ما كان رائجا قبل ذلك بأن الفرجة تأتي بعد الحياة كحضور، أي أن الفرجة هي مجرد شكل تمثيلي يحاكي حضورا معينا وهو النص الدرامي تحديدا. وقد كان هذا الانتقال، من الفرجة كمرآة تعكس شيئا آخر غير ذاتها إلى الفرجة من حيث هي كتابة منبعثة من سيرورة الممارسة الفرجوية ذاتها، مصحوبا بنقل التشديد من نص الفرجة إلى سياق الفرجة. كذلك أصبح التركيز أكثر على شكل ومحتوى الفرجة التي غالبا ما توحي إلى نمط تواصل موسوم ورفيع المستوى؛ يسلط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية، والجمالية للسيرورة التواصلية. إذن يمكن اعتبار الفرجة أكثر من مجرد محاكاة أو تمجيد لبناءات ثقافية متعالية و مثالية. ومن ثَم تبرز الفرجة في الوقت ذاته الذي يتم فيه بناء المجتمع من لدن ممثلين اجتماعيين، وذلك من خلال إيحاءات ثقافية مصوغة تحيل على أحداث وتجارب ماضوية بطرق متأثرة باللحظة الراهنة، ولكن دائما بعين نحو المستقبل.

إذا أفصح تنوع وتعدد الثقافة الإنسانية باستمرار عن خاصية المسرحية theatricality، بمعنى الطرائق السيميائية التي تتيح إمكانية تحويل الأجساد المادية والأشياء إلى علامات ترمز بدورها إلى علامات أخرى؛ وإذا تشكلت جماهير الفرجة باستمرار من حيث هي مجموعات ثقافية مصغرة، فكيف لقواعد هذه الفرجة واستجابة الجمهور لها أن تعكس بنيات ثقافية دالة وشاملة؟ يمكن اعتبار الفرجة، إذن، ليس فقط كجنس تعبيري يتواصل من خلاله الناس، ولكن أيضا، وسيلة للتفاعل والتعليق على التجربة الثقافية. وإذا كان ينظر للطقوس والشعائر باعتبارها فرجات مثقلة بالمسرحة، فكيف يجب إعادة النظر في تعريف المسرح؟ إن مفهوم الفرجة يمكننا من إعادة النظر في السلوكات الفرجوية الخارجة عن دائرة الممارسة المسرحية الصرفة؛ والأهم من هذا هو إعادة تقييم مفهومنا للمسرح.  في نفس السياق، يرى أوجينيو باربا أن “الطقس يتشكل دائما من خلال إعادة فعل تمت تأديته في الأصل من لدن قوة خارقة أو بطل أسطوري. لكن في اللحظة التي نفصل فيها هذه التقنية عن معتقدها الديني، فإننا نحتفظ فقط ببنية فارغة.”(6) هذه البنية الفارغة، تحديدا، هي المسرح، الذي نشأ جراء انسلاخه عن البنية الشعائرية وانتقاله من المعبد إلى الأكورة AGORA.(7)

من المؤكد أننا إذا قبلنا ادعاء رتشارد شيكنر (8) R. Schechner بأن الفرجة عبارة عن “سلوك مصاغ أكثر من مرة”، وجب علينا، إذن، أن نتساءل والحالة هاته عن  قوة هذه الإعادة؟ كيف اهتدت دراسات الفرجة إلى إضاءة مظاهر تمثيل الحضور (أي القدرة على إعادة صوغ حدث ماضوي لا يزال مشعا في ذاكرة ومتخيل الجماهير بصيغة الجمع)؟ ترتكز أغلب الدراسات التي تعنى بالفرجة على مسألتين: تتحدد المسألة الأولى في البعد التواصلي الذي تتميز به الفرجة؛ أما الثانية، فتتعلق بالفعل أو الممارسة الفرجوية في حد ذاتها، كما يذهب إلى ذلك Richard Bauman: “ليس فقط التواصل الذي يتشكل اجتماعيا، ولكن المجتمع أيضا متشكل تواصليا، بما أنه ينتج و يعاد إنتاجه عبر أفعال تواصلية” (9) أما بالنسبة لـ Clifford Geertz، فالفرجات عبارة عن قصص يرويها الناس لأنفسهم حول أنفسهم (10)(1973). من هنا، يمكن النظر إلى الفرجة بما أنها دراما اجتماعية مصغرة تعبّر عن لحظات حاسمة ودالة في الثقافة الإنسانية. وهذا ما يحملنا على القول بأن الفرجة تتميز، في أغلب الأحيان، بالمضاعفة، بل أكثر من ذلك، فإن مضاعفة صناعة الفرجة لا يمكن أن تنفلت من قبضة الإنعكاسية Reflexiveness. ففي شهادة بليغة في حق رتشارد شكنر أبرز أكوسطو بوال أن الفرجة تكمن في الحدود الفاصلة بين الحياة والمسرح: “عادة ما يقول الناس أن عرضا فنيا حقيقيا سيكون دائما استثنائيا، يستحيل إعادته: لا يمكن لنفس الممثلين في نفس المسرحية أن يعيدوا نفس الفرجة، المسرح هو الحياة. يقول الناس أيضا، أنه في الحياة، لا نقوم بأي شيء لأول مرة؛ نعيد دائما التجارب والعادات والطقوس… الحياة هي المسرح.”(11)

الفرجة وعاء للذاكرة الاجتماعية بدل كونها أحد الأعراض التاريخية. لذلك تحاور الفرجات تاريخ صدمة ما لكن دون أن تتحول إلى صدمة هي الأخرى. إذ تمكننا الفرجة من حيث هي بؤرة لخطابات متعارضة من إنتاج وإعادة إنتاج المعاني. وهذا المنحنى من الفرجة إلى الحياة، رغم حفاظه على المسافة المرآتية، يجعل من الفرجة الشكل التعبيري الأكثر حظوة للتعليق على الصراع بشتى تجلياته؛ وفي السياق ذاته، يمكن اعتبار الفرجة شكلا فنيا مصوغا. ولعل ما يميزها عن باقي متاهات الحياة اليومية هي تلك الخصائص الطقوسية والجمالية التي تسعفها في إيقاف الزمن الذي نحيا فيه لارتياد زمن الفرجة. قد تتضمن الفرجة لغة شعرية، أو حركات تعبيرية رفيعة المستوى، أو عناصر فنية أخرى. كما أنها تعرض أمام جمهور يتكون من أغلبية لها ذاكرة مشتركة مع صانعي الفرجة. وفي هذا الإطار، فإن انفصال الفرجة عن الحياة اليومية لا يصل إلى حد القطيعة، ولكنه يجعلها تجربة مكثفة و موسومة Marked. وهذا ما يتيح إمكانية ما يدعوه V.Turner بـ Communitas، أي لحظات التوهج الوجداني التي تندثر فيها الفوارق الاجتماعية بين الناس لتتحول إلى شيء آخر كالزمالة المبنية على التجربة الجماعية المشتركة. و’الكميونيتاس’ باللاتينية هي المجتمع الغير منتظم حيث يكون الناس جميعا سواسية. وتكون محصلة هذه التجربة الوجدانية الفريدة التي تلغى فيها الفوارق الاجتماعية وغيرها اختراق الهوة بين الملاحظ والملاحَظ، المتلقي والمرسل، وتنتج ‘خلقة Habitus مشتركة من حيث هي جماع سلوكات ومهارات مكتسبة اجتماعيا تضم كلا من صانعي الفرجة والجمهور. هكذا ينبعث المجتمع مجددا عبر ومن خلال الفرجة كحدث استثنائي بيني يفرض إيقاعه وزمنه على الواقع الحال. (12)

تعتبر الفرجة سيرورة، بالنسبة للبعض منا؛ بينما يعتبرها آخرون نتيجة لصيرورة ما. وهي أيضا ذلك الذي يختفي، بالنسبة للبعض؛ أما بالنسبة للبعض الآخر، فهي ذلك الذي يحتفظ به من حيث هو ذاكرة مجسدة embodied memory. لذلك كله، تتميز الفرجة بكونها حول النسيان والتذكر في نفس الآن، الاختفاء وإعادة الظهور مجددا. مع نهاية القرن الماضي، احتد النقاش في الأوساط الجامعية الغربية، والأمريكية منها بخاصة، حول ماهية الفرجة الحية المتسمة بالمباشرة؛ في مقابل الفرجة ‘الموسطة’ والتي يمكن مشاهدتها في أي وقت من خلال وسيط ما (Philip Auslander 1999, Peggy Phelan 1993). بالنسبة إلى فيليب أوسلاندر، يجب النظر إلى الفرجة المباشرة والفرجة الموسطة من حيث هما مترابطتين عوض كونهما متباعدتين؛ ذلك أن الفرجة المباشرة تتميز بكونها قابلة للتوثيق في وسيط آخر. في حين اعتبرت بيكي فيلان من جامعة ستانفورد الفرجة زائلة وغير قابلة للحفظ أو التوثيق: “تكمن حياة الفرجة فقط في الحاضر. لا يمكن حفظها أو توثيقها أو تسجيلها، أو بالأحرى المساهمة في انتشارها من حيث هي تمثيل للتمثيل: وحينما تحفظ (من خلال وسيط ما) فإنها تتحول إلى شيء آخر ليس بفرجة… إن الشرط الوجودي للفرجة يكمن في كونها تكون هي فقط جراء اختفائها”. وموقف فيلان، هذا، يكرس مفهوم الفرجة من حيث هي آنية وزائلة في الآن نفسه: آنية لكونها تنبعث جراء لقاء المؤدين والجمهور في المكان والزمان نفسيهما؛ وزائلة لكونها تختفي فور حدوثها من حيث هي حدث استثنائي بيني. من جانب آخر، تؤكد إيريكا فيشر ليشته أن الحضور – ولو غير موسط – يتشكل دائما عبر إستراتيجيات الوسائط؛ وهذا يعني أنه لا حضور بمعزل عن الوسيط بما في ذلك جسد الممثل. كما أن فيشر ليشته ترى أن الفرجة المباشرة liveness تتشكل من خلال الوجود المادي للمؤدين والجمهور في الفضاء الزمكاني نفسه… مع فيشر ليشته، إذن، أصبح مفهوم الوسائطية جزءا لا يتجزأ من تعريفها للمسرحة theatricality والفرجوية / الأدائية Performativity.

** أين تتمظهر الفرجة؟

عكس اللوحة التشكيلية التي توجد داخل إطار شيء ملموس، حسب ريتشارد شيكنر، والرواية التي تنبعث من الكلمات، فالفرجة توجد من حيث هي فعل ورد فعل وعلاقة بين طرفين. وأيضا حسب فيشر ليشته، يكمن جوهر مفهوم الفرجوية / الأدائية في الوجود الجسدي بين المؤدين والجمهور كشرط مسبق لإنجاز فرجة ما. وحينما تشدد فيشر ليشته على البعد الاجتماعي للقاء المسرحي، فذلك لكونها تريد إبراز دور المتفرج في تحقيق الفرجة من حيث هي حدث استثنائي بيني؛ فالتفاعل المتساوي بين الفاعلين يصبح علامة كل الأحداث الفرجوية: “تنجز الفرجة داخل ومن خلال الحضور الجسدي لكل من الممثلين والجمهور؛ ذلك أن كل فرجة تستدعي مجموعتين من الناس: “الفاعلون” و”المتفرجون”، يوجدون في زمن محدد ومكان معين لأجل تقاسم موقف ما… تنبعث الفرجة من لقائهم وتفاعلهم”.(13)

وهكذا، تصبح الحلقة المرتدة لتبادل الأثر لا مفر منها نتيجة حضور الجمهور؛ فمهما كانت ردة فعل الجمهور، فإنها لا محالة تؤثر على المؤدين. من هنا، فالقوة المتضمنة في مشاركة جمهور الفرجة قد وجدت أحسن تفسير لها في نظرية فيشر ليشته تحت عنوان autopoetishe feedback-schleife “الحلقة المرتدة لتبادل الأثر”. فالتجربة الجمالية لعرض ما، حسب فيشر ليشته، لا تعتمد فقط على العمل الفني من حيث هو أداء لفاعلين فوق الخشبة؛ “بل، أيضا، ردود فعل المشاركين الموجودين في الطرف المقابل للمؤدين”. (14) لذلك بادرت في معرض تحديدها لمجال الفرجة إلى إبراز أربع خصائص مميزة: “

1 – تولد الفرجة جراء الوجود الجسدي للمؤدين والجمهور، وانطلاقا من لقائهم وتفاعلهم مع بعضهم البعض؛

2- ما يحدث في الفرجات هو عابر و زائل، ومع ذلك نعيش تمظهرات سيرورة الفرجة بطريقة جد مكثفة في الحاضر؛

3- لا تنقل الفرجة معاني مسبقة، ولكنها تبني المعاني انطلاقا من سيرورتها؛ 4- تتميز الفرجات بخلقها للحدث، لذلك تتيح إمكانية تحقيق شكل ما من التجربة البينية.“(15)

غالبا ما ينظر إلى الفرجة كحدث ملموس و محدود في الزمان والمكان يتضمن عرض فعل ما، والحال أن الفرجة هي أيضا مفهوم وطريقة لفهم الظواهر في شتى تمظهراتها. يتضمن مفهوم الأدائية / الفرجوية عدة مستويات من المعاني. ومع ذلك، لا يجوز أن يكون وضوح هذه الدلالات المختلفة بمنأى عن مراعاة مقتضى الحال. لذلك يمكن اعتبار الأدائية/ الفرجوية performativity، بادئ ذي بدئ، تمظهرا للمسرحة theatricality  بمعنى أنه إذا كان شيء ما أدائيا فهو يشبه في ذلك من حيث الشكل والأهداف والآثار عرضا مسرحيا ما. أما أدائي / فرجوي performative، فهو يحيل لمفهوم فلسفي دقيق يخص صيغة وقدرة الكلام الأدائي و يتصل اتصالا وثيقا بمجال التداولية اللسانية عند الفيلسوف اللساني جون أوستين (Austin). لقد عرف هذا الأخير ‘الأدائي’ من حيث هو تلفظ لا يعبر عن وضعية سابقة بأي شكل من الأشكال، ذلك لأنه يؤدي فعلا ما أثناء فعل الكلام. فالكلام الأدائي يفعل ما يقوله أثناء التلفظ؛ وهو بذلك عمل مضمن في القول (أو العمل بالقول an illucutionary act)…

مفيد جدا في هذا المقام التذكير بأن أوستين قد استثنى الخطاب المسرحي في نقاشه، لأن هذا الخطاب لا يعبر حقيقة عن نوايا المؤدي أثناء فعل التلفظ وهو يتقمص دورا ما… ومع ذلك، يستوعب مفهوم ’الأدائي’ Performative  مفاهيم أخرى من قبيل تنفيذ وتحقيق فعل ما. وهذا الفهم بدوره استيعاب للخلاصات التركيبية التي وصلت إليها الفيلسوفة الأمريكية جوديث باتلر Judith Butler، والتي تقول في هذا السياق: “تفعل أفعال الكلام الإنجازية  performative utterances ما تقوله في لحظة النطق بها. فهي لا تعد أفعالا عُرفية فحسب، بل تعد أفعالا ’شعائرية’ أيضا كما عبر عن ذلك أوستين. إنها تفعل فعلها بمقتضى الصورة الشعائرية التي تكتسيها. كما أن تَكرارها  في الزمان يجعلها  تحتفظ لنفسها بفسحة عمل  لا تقتصر على لحظة النطق بها في حد ذاتها. صحيح أن فعل الكلام الإنجازي يفعل  فعله في لحظة النطق به، لكن أيضا، بما أن لحظة النطق هذه تندرج ضمن شعيرة، فإنها لا تكون لهذا السبب لحظةًغفلاً معزولة أو متفردة. حين تكون اللحظة مدرجة  في طقس، أو جزءا من شعيرة، تكون عبارة عن تاريخية مكثفة condensed historicity. إنها تتخطى نفسها في اتجاهيْ الماضي والمستقبل؛ وأثر استدعاء السابق والآتي هو الذي يشكل لحظة النطق، وينفلت منها في الآن ذاته”.(16)

وبما أن الفرجة كممارسة محتواة تؤدي إلى تأثير محدد عند الجمهور، فإن تحويلها إلى نص أصبح أمرا إشكاليا و معقدا بالنسبة للعديد من الباحثين. إن النص و العرض الفرجوي لهما ارتباط عضوي كصيرورة تحويل من وسيط لآخر، قد يرتبطان كمراحل، بالنظر إلى المنتوج النهائي أو كطبقات متشابكة قابلة للتفكيك والفرز حين تحلل الأفعال التواصلية؛ ولكنهما لا يرتبطان كتمثيلات لأحداث ما. فنص الفرجة هو، في الواقع، أكثر من مجرد تمثيل لحضور ما، أو أيقونة لفعل تواصلي يمكن اعتبار الفرجة، إذن، طريقة يعي بها الناس ثقافتهم، وفي ذات الوقت، هي وسيلة الإثنوغرافي لإنتاج وعي معين حول الثقافة ذاتها. إن مفهوم الفرجة له قابلية وقدرة على احتواء قضايا متعددة وشائكة من قبيل السلطة، التاريخ، الأصالة، التناص، الذاكرة، المقدس، الوجدان… يمكن اعتبار الفرجة، إذن، كنبع لانبعاث الثقافة ووسيط يعكس الثقافة. صحيح أن الفرجة آنية تزول فور إنجازها، إذ توجد ضمن زمان ومكان معينين، لكنها “تضيع بشكل لا رجعة فيه حينما تنتهي. لا يسعفها أن تعاد بالطريقة ذاتها مجددا.”(17) تأثيرها يظل مشعّا في ذاكرة المتلقي. بعد انتهائها، تستشرف الفرجة أفقا آخر، وذلك في ذاكرة ونصوص وممارسات ممارسيها وجمهورها، علاوة على الباحثين في ميدان الفرجة. كما أن الفضاء الذي تشغله الفرجة الشعبية يتميز ببعده الرمزي؛ فهو لا يقيم القطيعة بين عوالم العام والخاص عبر فصل الممثلين عن الجمهور. بل أكثر من هذا، تستدرج أغلب الفرجات الشعبية جمهورها للمشاركة في صناعة الفرجة عوض الاكتفاء بالتلقي السلبي وهذا يعني أن جمهور الفرجة سرعان ما يتحول إلى صانعها. لا يوجد حد فاصل بين الوهم والحقيقة. وهذا ما يجعلها تراوح بين القدسي والدنيوي، “العام والخاص” إنها ببساطة، تتموضع في فضاءات المابينية.

تنتمي الفرجة، إذن، إلى ريبرتوار الذاكرة المجسدة. ففي الوقت الذي تحفظ ذاكرة الأرشيف رصيدا من الوثائق والمخلفات الأركيولوجية مثل العظام والأدوات المستعملة من طرف الإنسان في زمن ما والتي تمثل في حد ذاتها ‘دليلا’ على أحداث الماضي، تعمد الريبرتوار إلى تخزين ذاكرة مستبطنة/ مجسدة –وهي تتكون في الغالب من التراث اللامادي مثل السلوكات الفرجوية، والرقص والغناء والشفهية وباقي المعارف الزائلة والتي تفقد بريقها حينما تستنسخ بشكل من الأشكال أو توثق لأجل إشباع رغباتنا في الأرشفة ضمن ما يسميه ديريدا ب ’حمى الأرشيف’. إلى هنا، يمكن القول بأن الفرجة هي جزء لا يتجزأ من السلوك الاجتماعي؛ وهما معا يتواجدان قيد الاختبار ضمن عملية الشرعية الاجتماعية. كما أنه هناك شبه إجماع لدى الباحثين في مجال دراسات الفرجة على أن التحقق المادي للفرجة مشروط على الأقل بتوفر خمس مبادئ: مبدأ المباشرة، ذلك أن الفرجة يجب أن تكون حية؛ مبدأ الارتجال، لأنه يعتبر أس الفرجة حتى لما تكون مبنية على نص مكتوب؛ مبدأ المشاركة، فالفرجة عمل تشاركي، ليست ثمة فرجة فردية، وبالتالي لا يوجد هناك مسرح فردي لأن التحقق الفعلي للفرجة يكمن في تواجد مؤدي/ مؤدين وجمهور؛ مبدأ الشرعية، فبما أن الفرجة جزء لا يتجزأ من السلوك الاجتماعي فإنها تتماشى مع سيرورات الشرعية الاجتماعية؛ أما المبدأ الخامس والأخير فهو الأفق الاستشرافي للفرجة، إذ تكمن سلطة الفرجة في قدرتها على إبراز ما هو مستحيل في الواقع، أو ما لم يتم تخيله بعد…

ولعل الإحالة إلى الماضي غالبا ما تثير نوعا من الحنين للحظة تاريخية أصيلة من خلال العودة إلى أزمنة البدء الأولى. ولكن المشاريع النقدية ما بعد البنيوية طالبت بوضع مفاهيم من قبيل” الأصيل” و” الخالص” تحت المجهر لتفكيك منظوماتها المتمركزة عبر وصلها بسياقات تحققاتها داخل ومن خلال الفرجة. إن أسطورة الأصيل والخالص أصبحت في وضعية جد معقدة من خلال التأثيرات الناتجة عن كتابة المحو والتي غالبا ما تتسم بها صناعة الفرجة كصيرورة، بالإضافة إلى تأثيرات مفاهيم أخرى من قبيل الهجنة، والزمن، والحوار بين الذاكرة والتاريخ، الحضور والغياب /التمثيل… عبر وسيط الفرجة، يصبح الماضي الأصيل من حيث هو موضوع ولحظة خالصة سلسلة من التمفصلات التاريخية الحداثية التواقة لاستشراف الاختلاف différence عوض تكريس الصيغة الأحادية لتاريخ موحد. وهذا يعني أن التاريخ في حد ذاته أصبح مجرد سرد يحاول قدر الإمكان الإمساك بلحظة خالصة باتت زئبقية فور انتهائها.

** فرجة الاحتجاج والمجال العمومي المسرحي العربي:

تعتبر الفرجة الشكل التعبيري الأكثر حظوة للتعليق على الصراع بشتى تجلياته. ولعل ما يميزها عن باقي متاهات الحياة اليومية هي تلك الخصائص الطقوسية والجمالية والسلوكات التعبيرية الرفيعة وغير المعتادة، والملفتة للانتباه. فالصيرورة الاجتماعية فرجوية بامتياز، كما أن انفصال الفرجة عن الحياة اليومية لا يصل إلى حد القطيعة، ولكنه يجعلها تجربة مكثفة و موسومة. وهذا ما يتيح لحظات التوهج الوجداني التي تذوب فيها الفوارق الاجتماعية، مفسحة المجال للتجربة الجماعية المشتركة. وتكون محصلة هذه التجربة الوجدانية، انبعاث المجتمع عبر الفرجة ومن خلالها.

وإذا كان الجسد المجتمعي في حالة غليان، كما هو شأن الحراك الحالي في ظل وقع التعثرات التي يعيشها الربيع العربي مشرقا ومغربا وحركة احتلوا العالمية Occupy Movement (18) فإنه  يتيح  إمكانية  تمظهر  شذرات من هذا  الغليان  من خلال فرجات الاحتجاج – وهي فرجات  تفصح عن مواقف سياسية في المجال العمومي.  قد تبدو هذه الفرجات  عفوية، وغير مخطط لها، لكنها، في واقع الأمر، تعكس خبرة الجسد المنتفض  وذاكرته الفرجوية/ الطقوسية الجماعية.  ففي شهادة بليغة في حق رتشارد شكنر، مؤسس شعبة دراسات الفرجة  Performance Studies بجامعة نيويورك،  أبرز أكوسطو بوال أن الفرجة تكمن في الحدود الفاصلة بين الحياة والمسرح: “عادة ما يقول الناس أن عرضا فنيا حقيقيا  سيكون دائما استثنائيا، يستحيل إعادته: لا يمكن لنفس الممثلين في المسرحية نفسها، أن يعيدوا الفرجة نفسها، ذلك أن المسرح هو الحياة. يقول الناس أيضا، أنه في الحياة، لا نقوم بأي شيء لأول مرة؛ فنحن نعيد دائما التجارب والعادات والطقوس… الحياة هي المسرح.”(19) والحال، أن فرجة الاحتجاج تتموقع بدورها في فضاء بيني؛ كما تنحو  نحو إعادة  الاعتبار للدور السياسي الذي يجب أن تضطلع به الأدائية Performativity في زمن تشيئ الفرجة.

يمكن النظر إلى احتجاجات ‘الربيع الديمقراطي’، ومنتديات مسرح المجتمع، أو المسرح التنموي، والفرجات الوسائطية المرتبطة بالحراك، وظواهر أخرى، بما في ذلك ظاهرة الاحتراق بالنار في الأماكن العمومية من حيث هي فرجات احتجاج. لقد شكل فعل الاحتراق بالنار الشرارة الأولى لما سمي ب ‘الربيع العربي’ في الإعلام الغربي، وهي الشرارة التي أطلقها محمد  البوعزيزي (20) من تونس، مقدما جسده كفضاء مشهدي غروتسكي، وموضوع في الآن نفسه لفرجة احتجاج قاسية و ملتبسة: كونها قاسية، فذلك لأنها قدمت مؤديها قربانا لمتفرجين حاضرين في عين المكان، لكنهم غير مستعدين للتعاطي مع بشاعة ‘الحدث الفرجوي’، سواء باعتبارهم جمهورا، أو شهود عيان. هؤلاء المارة تحولوا قسرا، وليس عن طيب خاطر، إلى جمهور لفرجة ال بوعزيزي دون سابق إنذار، أو تواطؤ ممكن. أما كونها ملتبسة، فلأنها نقلت الجسد القربان إلى بنيات مجتمع الفرجة، و إيواليات الإنتاج، والاستهلاك الإعلامي، فأصبح هذا الجسد فرجة مشيئة ولا إنسانية، وعرضة للاستهلاك في النشرات الإخبارية، والوصلات الإشهارية لعالم مولع بأخبار الدمار الشامل… وهنا تحديدا يقترح علينا الفيلسوف الفرنسي المتمرد جي دبور Guy Debord  مدخلا آخر لاستشكال فرجة الوسائط من خلال إبراز الخاصيات المهيمنة في عالمنا المعولم، حيث يقول: “كل الحياة داخل المجتمعات التي تسيطر فيها آليات الإنتاج العصرية تنتظم على شاكلة تراكم للفرجات. فما كان يعاش بطريقة مباشرة أصبح مبعدا بواسطة تمثيل ما.” (SS, 15) إذن، بالنسبة لدوبور، فالنظام المعرفي الراهن يتميز بالسريان السريع للأنماط الاستهلاكية، والبنى الوسائطية التي تدعمها، حيث تصبح الفرجة هدفا لذاتها بعد سطوة التمثيل على الحضور. في دراسة قيمة بعنوان “في ‘مجتمع الفرجة’” يقدم الفيلسوف المغربي عبد السلام بنعبد العالي قراءة مثيرة لكتاب جي دوبور؛ إذ يرى بأن الفرجة هي تلك “الحركة الدؤوبة التي تطبع مجتمع الفرجة”.(21) و تتمظهر من خلال الإعلام العمومي والدعاية وصناعة الرأي العام، “كي تحول العالم الذي لم يعد في الإمكان الإمساك به إلى صور، فتضعها تحت الأنظار.” هكذا يصبح مجتمع الفرجة مجتمعا “يعاش فيه الشيء مبتعدا عن ذاته مفوضا بديله و صوره عنه. إنه المجتمع الذي يستبدل فيه العالم المحسوس بمقتطف من الصور التي توجد فوقه، والتي تقدم نفسها على أنها هي المحسوس بلا منازع.” (بنعبد العالي)

ولعل القاسم المشترك بين كل هذه الفرجات هو تقمص الأدوار داخل ‘المجال العمومي’، كسلوك سياسي مفعم بالباروديا، والغروتيسك، والكرنفالية. والحال، أن الفضاء الذي تشغله الفرجة يتميز ببعده الرمزي؛ فهو لا يقيم القطيعة بين عوالم العام والخاص عبر فصل الممثلين عن الجمهور، بل أكثر من هذا، تستدرج أغلب فرجات ‘المجال العمومي’ جمهورها للمشاركة في صناعة الفرجة عوض الاكتفاء بالتلقي السلبي لها. وهذا يعني، أن جمهور الفرجة سرعان ما يتحول إلى صانعها. لا يوجد حد فاصل بين الوهم والحقيقة. وهذا ما يجعلها تراوح بين القدسي والدنيوي، العام والخاص. إنها ببساطة، تتموضع في فضاءات المابينية. فـ ’المجال العمومي’ بدوره يعبر المجال الخاص، ومجال السلطة العمومية من خلال آلية الرأي العام الذي ينبه الدولة لحاجيات المجتمع.

** لماذا الفرجة والمجال العمومي إذن؟

‘المجال العمومي’ هو مساحة من الحياة الاجتماعية، حيث يتجمع الناس معا لمناقشة القضايا المجتمعية، بما فيها السياسات الحكومية؛ وفي رحاب هذه المساحة الحرة، تتبلور اتجاهات الرأي العام. لقد طور هابرماس مفهوم ‘المجال العمومي’ عن إيمانويل كانت، ليصف البنى الخطابية التي أفرزها عصر التنوير في بعض المجتمعات الأوروبية منذ منتصف القرن الثامن عشر مع ظهور الصالونات والصحف والمقاهي والنوادي، وهي في الغالب تنذر ببزوغ أنوية ‘المجتمع المدني’. وظهر ‘المجال العمومي’ بموازاة مع التحولات البنيوية في المجتمعات البرجوازية الأوروبية ليصبح شكلا من أشكال التجمع في ‘الأماكن العامة’ بهدف التداول الحر في قضايا الشأن العام. ومع ذلك، فالمجال العمومي هو أيضا حلبة تتصارع فيها العديد من التجمعات الجماهيرية المتنافسة، وسرعان ما يتحول إلى ميدان معارك، كما أكدت ذلك شانتال موف Chantal Mouffe ذات مرة.

يستعمل ثلة من الفنانين الثائرين ‘المجال العمومي’، إذن، للفت الانتباه إلى وجهات نظرهم السياسية، مثلهم في ذلك مثل المتمردين الذين يتفننون في أساليب الاحتجاج. فمن خلال الجسد الفرجوي، يبرزون مواقفهم السياسية علانية، ودون مناقشة أو تداول حر مع الأطراف الأخرى التي تخالفهم الرأي. وفي هذا السياق، تتشكل فرجة الاحتجاج من حيث هي نموذج للفعل السياسي الذي يقع خارج نطاق توافق الآراء السياسية الحزبية، كما أنه لا يخضع مؤسساتيا للأحزاب، أو النقابات، أو المنظمات الأخرى.

هل يمكن الحديث عن مجال عمومي عربي؟ ما مدى تماثله مع نموذج هابرماس؟ هل هو مختلف عن بنية المجال العمومي في دول ‘الشمال’، أم أنه امتداد لما تسميه المفكرة الهندية سبيفاك بـ “الشمال الإقطاعي-في-الجنوب”the Feudal North –in-the South؟ هل لا تزال مساحة ‘المجال العمومي العربي’ محدودة وتحت رقابة النظم الشمولية أو غيرها؟ هل يمكن الحديث عن تدهور حرية الإبداع والتعبير الفني في المجال العمومي بعيد الحراك، وفي ظل حكومات بمرجعيات محافظة معروفة؟ هل يمكن الجزم بأن الأحزاب الدينية الحاكمة في بعض بلدان الربيع تمارس نفس دور الأنظمة المنهارة في الرقابة على عقول المبدعين والفنانين؟

من المؤكد أنه مع شبكة الإنترنت وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي، اتسعت دوائر ‘المجال العمومي’ من خلال تطور نوع جديد من الديمقراطية التشاركية الواسعة النطاق. فالتدوين السياسي في الفضاء المعلوماتي، أنشأ مجالا عاما افتراضيا يضاف إلى المجال العمومي التقليدي الذي كان يتسم بالمحدودية في ظل نظم شمولية أو شبه شمولية. ومع الربيع العربي، أصبح “الفايسبوك” –مع ثلة من شباب مصر، وتونس، ودول عربية أخرى: نواره فؤاد نجم، وائل غنيم، أسماء محفوظ، منير بن صالح…- محركا للثورة، ومحفزا للتغيير الاجتماعي والسياسي. ومن خلال الفايسبوك، وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي، تم الالتفاف على رقابة النظام البوليسي والتعتيم الإعلامي بتونس، وتم نقل أحداث سيدي بوزيد وتعميمها في ربوع تونس. وفي مصر، تم تبادل المعلومات اللوجيستيكية لاحتلال الميادين على صفحات الفايسبوك… “إذا نظرنا إلى بداية الثورة في مصر، فقد كانت دعوتها من العالم الافتراضي عبر المواقع الالكترونية المختلفة، قال الشاب وائل غنيم وهو أحد الداعين للثورة (أنا لم أفعل شيئاً غير أني جلست على الكي بورد)، وتكشف هذه العبارة، من جهة عن دور التقنية أو العالم الافتراضي في إشعال العالم الواقعي. ومن جهة أخرى عن أجساد مهمشة ثائرة على قيم المجتمع وتناسى النظام و عقلنته للأشياء”. (22)

ومع ذلك، لابد من التأكيد في هذا المقام، أن شبكات التواصل الاجتماعي هي مجرد وسائل لتحقيق الديمقراطية في عالمنا العربي، واستعمالها لا يجب أن يتعدى كونها أنجع وسيلة تواصل في عصرنا الراهن. لم تكن هذه الوسائط المحرك الأساسي للحراك، كما يدعي كثيرون… بل إن المحرك الرئيسي للثورات العربية هو تغييب ‘التسعة والتسعين في المائة’ من تسيير الشأن العام بالإضافة إلى تدهور أوضاع المواطنين على أكثر من مستوى… وهو ما يثمنه المفكر العربي عزمي بشارة بقوله: “لو جلس الجميع على فيسبوك لما قامت الثورة.. لقد أصبح كل من لديه فيسبوك يظن أن له دورا كبيرا في صناعة التاريخ.. هذه المواقع قامت فقط بدور التعبئة الأيديولوجية في الثورات”. وعلى الرغم من ذلك، فإن الوسائط الرقمية قربت المسافات بين الثوار…  لهذا يمكن اعتبار ‘دراسات الفرجة’ من أهم المجالات البحثية التي قد تسعفنا في مقاربة فرجات الاحتجاج بما فيها ما أفرزه الربيع العربي من زخم هائل من العروض المشاكسة في الفضاءات العمومية.

** ‘دراسات الفرجة’: مجال بحثي يلغي الحدود بين التخصصات الجامعية

منذ بروزها في العقدين الأخيرين من القرن الماضي، كتخصص أكاديمي قائم الذات، تبوأت دراسات الفرجة مكانة مركزية في الدراسات الأنثروبولوجية، والفلكلورية، والمسرحية على حد سواء، و بتركيزها على السياق و السيرورة برزت دراسات الفرجة كرد فعل ضد الدراسات المسرحية المرتكزة أساسا على النصوص الدرامية عوض تحققاتها الإنجازية على شكل فرجة مسرحية. يذكرنا ريتشارد شيكنر، أحد أهم أقطاب هذا المجال، ومؤسس شعبة دراسات الفرجة بجامعة نيويورك، أن دراسات الفرجة “هي (البينية). إنها مجال عابر للتخصصات، والثقافات، وبهذا تكون غير قارة. تقاوم دراسات الفرجة، أو بالأحرى ترفض التعاريف الجاهزة. لا يمكن لدراسات الفرجة كتخصص أن تصنف بشكل قاطع، لأنها تتجاوز الحدود، وتذهب إلى حيثما لا نتوقع وجودها… تفترض دراسات الفرجة أننا نعيش في عالم ما بعد استعماري مفعم بحوار الثقافات المختلفة والتي تتداخل فيما بينها مستشرفة رحابة الهجنة. إنها لا تحتفي بالنقاء purity “.(23)

إن دراسات الفرجة هي محصلة التبادل المثمر بين  الدراسات المسرحية وتخصصات أخرى مجاورة من قبيل الأنتروبولوجيا الثقافية، دراسات الفولكلور و الإثنو-موسيقا… ولعل أهم ما يميز هذا المجال البحثي الحيوي هو عدم وجود شرعة ثابتة من الأعمال والأفكار والممارسات، أو أي شيء آخر بإمكانه  تحديد مجالات اشتغالها. فانفتاح ‘أبحاث في المسرح المغربي’، الكتاب المؤسس لدراسات الفرجة في الجامعة المغربية، على الهوامش الفرجوية المحايثة من قبيل ‘الحلقة’، ‘سيدي الكتفي’، ‘سلطان الطلبة’… لخير دليل على مراوحة دراسات الفرجة بين الثقافة العالمة والثقافة الشعبية، النصوص التراثية والكتابات المعاصرة، الشفهية والأدبية… تقتبس دراسات الفرجة من التخصصات المجاورة، وهي بذلك حقل مشرع على رحابة أفق البحث العلمي. ولعل أهم ما يميز دراسات الفرجة، مثلها في ذلك مثل الفرجة ذاتها كما بينا سابقا، هو الاستبطان embodiment. أما قاعة الدرس، فتعتبر فضاء فرجويا ممتلئا في حد ذاته، وهي بؤرة الفرجة ذاتها بالإضافة إلى كونها المكان المستثمر لدراسات الفرجة…

** خلاصة أولية:

انطلاقا من العقدين الأخيرين من القرن العشرين بدأت شعب المسرح في الجامعات تعيد النظر في مهامها وأهدافها. لقد أدرك حينها أساتذة المسرح بأنهم قد أصبحوا منعزلين عن مشهد الفنون الأدائية السريع التحول بفعل تناسج ثقافات الفرجة.  ولكن رغم اتساع مجال اشتغال دراسات الفرجة إلا أنه لا يزال بحاجة إلى المزيد من الجهد لتفادي التمركز الأورو-أمريكي؛ فرغم انفتاح الجمعية الدولية لدراسات الفرجة على أصوات العالم إلا أنها، كما تقول جانيل رينلت الرئيس الأسبق للفيدرالية الدولية للبحث المسرحي، “ستواجه تحديا أكبر في العقد القادم، والمتمثل في محاولاتها الحثيثة لتكون دولية بحق. لا يزال التناقض قائما بين التطلع نحو العالمية والهيمنة الأنجلو-أمريكية على المنظمة.” نستشف من هذه الشهادة البليغة أننا، نحن المتموقعون جنوبا في ظل النظام العالمي الجديد، نحتاج لإعادة النظر في ‘دراسات الفرجة’ من موقعنا نحن هنا في الضفة الجنوبية والآن. أملنا أن لا نعيد إنتاج نفس صيغ الماضي القريب والتي راوحت عموما بين ‘تأورب مطلق’ يعيد إنتاج نفس أسئلة الغرب الآخر  دون مساءلتها و ’اغتراب في الماضي’ يفضي إلى رقص مسعور حول الذات المفقودة. فدراسات الفرجة، من موقعنا نحن، في حاجة إلى إعادة الكتابة وتفكيك كل أشكال التمركز. كما أنها يجب أن تخضع لمنطق الاستيعاب والتجاوز، التفكيك وإعادة البناء.

** الهوامش:

(1) حسن المنيعي، “أفق تحديث الفرجة المغربية“، ضمن المصنف الجماعي (الفرجة بين المسرح والأنثروبولوجيا)، منشورات كلية الآداب بتطوان، 2002، ص. 14.

(2) أؤكد في هذا المقام أن الاختلاف بين المغرب ومصر، على سبيل التمثيل، هو مجرد اختلاف في التداول لا غير، إذ أننا نستعمل الكلمتان معا. وقد لمست هذا شخصيا حينما طلبت مني إيريكا فيشر ليشته مناقشة ترجمة المصطلحات الدقيقة في كتابها مع الباحثة المصرية الصديقة الدكتورة مروة مهدي التي أنجزت الترجمة العربية. وقد أبرزت الباحثة المتألقة مروة مهدي أوجه الاختلاف في ترجمتنا لبعض المصطلحات في مقدمتها: “نظرًا لجدة موضوع الكتاب على النقد العربي، فقد قابلتني صعوبات كثيرة في ترجمة المصطلحات غير الموجودة في اللغة العربية، بداية من العنوان الأصلي للكتاب “Ästhetik des Perfomativen“، حيث دارت نقاشات طويلة مع الكثير من الباحثين العرب في مجال دراسات العرض حول ترجمة كلمة Performative المأخوذة بوضوح عن كلمة Performance والتي تترجم بكلمة “العرض” في العربية، واقترح د.خالد أمين (أستاذ دراسات العرض بجامعة المغرب، ورئيس المركز الدولي لدراسات الفرجة) ، استخدام لفظة “الفرجة” التي تقترب كثيرًا من المعنى المراد ويسهل الاشتقاق منها (الفرجة، الفرجوي، الفرجوية…)، كما أنها استخدمت بالفعل من قبل النقاد المغاربة، ومركز دراسات الفرجة الذي يرأسه د. خالد أمين بالمغرب – والذي يعني بدراسات فن العرض – يبدو مثالاً جيدًا على ذلك، ورغم ذلك تبدو لفظة “فرجة” غريبة على القارئ المصري.” مقدمة دة مروة مهدي لترجمتها لكتاب إيريكا فيشر ليشته البديع “جماليات الأداء: نظرية في علم جمال العرض، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2012، ص. 8-9.

(3) لا يتشكل معنى “الفرجة” في المعجم الاستدراكي، كما خلص الدكتور عز الدين بونيت في دراسته القيمة، إلا من خلال توافر ثلاثة شروط:

–الإطار الاجتماعي- الثقافي: لا تكون فرجة إلا الأشياء والأفعال التي تدرك باعتبارها كذلك في وضع ثقافي واجتماعي معين.

– المشاركة: لا تتحقق الفرجة إلا من خلال مشاركة المتفرج فيها، أي من خلال استعداده للتفرج وإدراكه لما يراه باعتباره فرجة؛ سواء تعلق الأمر بالفرجة بمعنى تبديد الهم والغم أو بالفرجة بمعنى المتعة والاستمتاع. وهي بذلك محصلة فعلين و رغبتين لا بد من تعانقهما: الرغبة في التفريج التي تحرك صانع الفرجة أو مقترحها، والرغبة في التفرج التي تحرك مستهلك الفرجة. ويقودنا هذا إلى الشرط الثالث.

-الفعلية: لا تكون الفرجة إلا نتيجة فعل قد يتخذ شكل الحاجة إليها (الهم والغم الذي يدفع إلى البحث عن الفرجة) أو الرغبة فيها أو السعي نحوها أو القيام بما يؤدي إليها. (عز الدين بونيت، “الفرجة في المتخيل اللغوي العربي محاولة لتحديد ظاهراتي”، ضمن كتاب الفرجة الخاصة بالموقع، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، طنجة، 2011).

(4)Marvin Carlson, Performance, a critical introduction (NY: Routledge, 2004) p. 2.

(5) Diana Taylor, Negotiating Performance: Gender, Sexuality, and Theatricality in Latin America (Durham &

London: Duke Univ., 1994) p. 11.

(6)Eugenio Barba, 1986, p 45.

(7) يتيح لنا أرسطو جردا لكل المراحل التي عرفها تطور تراجيديا أتيكا، حيث يؤكد أنه في المقام الأول، أضاف اسخيلوس الممثل الثاني؛ ثانيا، قلص من حضور الرقص الذي تؤديه الجوقة؛ ثالثا، أعطى الأولوية للحوار من خلال تقليص مساحات السرد الملحمي؛ رابعا، أضاف سوفوكليس الممثل الثالث؛ خامسا، فأضاف المشهد – التشكيل. سادسا، كانت الحكايات الصغيرة قد اتبعت بحكايات ذات ثقل كبير؛ سابعا، لم تتحرر التراجيديا من الملفوظ الكروتسكي إلا متأخرا، بواسطة التخلص من الدراما الهجائية و أضحت ذات قيمة بكيفية تامة؛ ثامنا، تغير الوزن من التيترامترا إلى اللامبي. للمزيد من التدقيق، انظر ردجواي Three Notes of the Poetic of Aristotle in Classical Quarterly, vol Vi. 1912: 242-

(8)ichard Schechner, Between Theater and Anthropology (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 1985).

(9)Richard Bauman, Performance in Folklore, Cultural Performances, and Popular Entertainments: A communications–centred Handbook, ed. Richard Bauman (New York and Oxford: Oxford University Press, 1992) xiv.

(10) Clifford Geertz, The Interpretation of Cultures(New York: Basic Books, 1973).

(11) Augusto Boal, in Performance Studies: An Introduction, by Richard Schechner (London & N. Y.: Rutledge:

2002) p. II.

(12) لقد كرس V.Turner حياته للبحث في الطقوس والفرجات بشتى تلويناتها وأشكالها المختلفة؛ فاعتبر الطقس (الشعيرة) Ritual متجذرا في تخوم السيرورة الاجتماعية. وانتهى Turner إلى خلاصة أساسية وهي أن السيرورة الاجتماعية فرجوية بامتياز. كما عمد إلى استشراف مفهوم المابينية Liminality في فهمه للطقوس، وذلك لأنه يعتبر الطقس غير خاضع للبنية/البنينة، لأنه لعبي، كرنفالي وخلاق في ذات الوقت. وهكذا حظيت الفرجة بموضع مركزي في تفكير Turner وذلك لأن الأجناس الفرجوية هي بمثابة نماذج حية للطقوس كأحداث مصوغة. وهذا يعني أن الفرجة تتضمن في جوهرها حدثا طقوسيا: أي “سلوكا أعيدت صياغته”(Schechner 1985).

(13)Erika Fischer-Lichte, “The Emergence of New Theatrical Communities: How Cultures Interweave in Performance“, in Interweaving Performance Cultures/Critiquing Postcolonialism (ed.) Khalid Amine (Tetouan: faculty of Letters and Humanities Publications, 2010) p. 10.

(14) Fischer-Lichte, The Transformative Power of Performance, p. 36.

(15) Fischer-Lichte, « Culture As Performance: Theatre History as Cultural History », inActs / Proceedings, Historia Do Teatro E Novas Tecnologias, p. 2.

في مناسبات عدة تِكد الباحثة الألمانية إيريكا فيشر ليشته على هذا الأمر: “استنادا إلى ما ورد في كتابي الأخير “جماليات الأداء: نظرية في علم العرض”، فإن الفرجات تجسد حالة من البينية. ذلك أن الفرجة ترتهن بفعل تلك الحالات التي تتحقق عبر الحضور الجسدي للمؤدين والجمهور. فالجمهور المشارك يتأثر بكل ما يصدر عن المؤدين، وبدورهم يتأثر هؤلاء بردود فعل الجمهور. هكذا، لا يتحقق الوجود الفعلي لفرجة ما إلا أثناء سيرورتها حيث تنبعث من التفاعل بين المؤدين والجمهور.”

Erika Fischer-Lichte “Interweaving Cultures in Performance: Different States of Being In-Between”. New Theatre Quarterly, 25, pp 391-401.

(16)  Judith Butler (1997) Excitable Speech: A Politics of the Performative. New York: Routledge, p. 3

(17) Erika Fisher-Lichte, The Transformative Power of Performance, p. 75.

(18) حركة احتلوا (احتجاجات احتلوا) هي حركة عالمية، بدأت بحركة احتلوا وول ستريت في مدينة نيويورك الأمريكية في 17 سبتمبر 2011، ثم تحوَّلت إلى حركة عالمية في 15 أكتوبر 2011.

(19)  Augusto Boal, in Performance Studies: An Introduction, by Richard Schechner (London & N. Y.: Rutledge: 2002) p. II.

(20) طارق الطيب محمد البوعزيزي (1984- 2011)، مواطن تونسيقام يوم الجمعة 17 دسمبر 2010 بإضرام النار في نفسه أمام مقر ولاية سيدي بوزيد، احتجاجاً على مصادرة السلطات البلدية لعربة الخضر، مصدر رزقه. وحسب عائلة البوعزيزي، فإن الشرطية فادية حمدي،صفعته أمام الملأ، وقالت له Dégage (ارحل)، فأصبحت هذه الكلمة شعار الثورة للإطاحة بالرئيس بن علي، وكذلك شعار الثورات العربيةالمتلاحقة. وحسب سالم البوعزيزي، شقيق الشهيد محمد البوعزيزي، فإن الصفعة التي تلقاها شقيقه، هي التي أججت لديه فكرة الانتحار قائلاً: “معروف في قبيلة الهمامة أن الذى تضربه امرأة نلبسه فستاناً“. ورغم تبرئة المحكمة للشرطية فادية حمدي بعد ثورة الياسمين، فإن شهادة سالم البوعزيزي تظل مثيرة للجدل، خاصة أنها تضمر احتقارا لا إنسانيا للمرأة… ففادية حمدي، هي الأخرى، ضحية النظام المستبد الذي قدمها قربانا لتهدئة الأوضاع بعد زيارة بن علي لمحمد البوعزيزي في المستشفى.

(21) عبد السلام بنعبد العالي، “في ‘مجتمع الفرجة’”، الملحق الثقافي، الاتحاد الاشتراكي، الجمعة 7 فبراير 2014، العدد 621. 10، ص. 8.

(22) الدكتور محمد سمير الخطيب، “مشهدية ميدان التحرير الجسد والمكان والسلطة“، ورقة قدمت في ندوة “فرجة التحولات/ تحولات الفرجة، طنجة 2012.

(23) Richard Schechner, in The Ends of Performance, p. 360.

 
 

الصفحة 1 من 19

Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P : 16113 - Casablanca Principale. Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com / theatretafukt@gmail.com
Téléphone: (+212) 669279582
(+212) 667313882 - 654439945
Siège Social: Complexe Educatif Hassan II Pour La Jeunes / Casablanca - Maroc

تابعنا على Facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـ فضاء تافوكت للإبداع © 2017
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL