Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
متابعات - تغطيات صحفية: النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية تنعي الفنان عبد الكبير الشداتي - الجمعة, 21 تموز/يوليو 2017 11:11
مسرح - الفنون الدرامية: الفيدرالية المغربية للفرق المسرحية المحترفة تنعي المبدع عبد الكبير الشداتي - الجمعة, 21 تموز/يوليو 2017 11:07
أخبار - منوعات - مواضيع : تشستر بينينغتون: انتحار نجم آخر - الجمعة, 21 تموز/يوليو 2017 10:38
مسرح - الفنون الدرامية: أنتيغون، رؤية يابانية معاصرة لشرور العالم - الخميس, 20 تموز/يوليو 2017 18:33
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: إعلان المهرجان المغاربي للمسرح بالجزائر - الخميس, 20 تموز/يوليو 2017 15:19
مواعيد فنية - ثقافية: أگادير: الدورة 1 للمهرجان الدولي للفكاهة - الأربعاء, 19 تموز/يوليو 2017 21:53
مختارات - إصدارات - كتابات: الممثل العالمي مورغان فريمان - الأربعاء, 19 تموز/يوليو 2017 21:05
مسرح - الفنون الدرامية: البيان الختامي المؤتمر الوطني الأول FMTTP - الأربعاء, 19 تموز/يوليو 2017 12:20
مختارات - إصدارات - كتابات: الفنان الهرم محمد مجد - الثلاثاء, 18 تموز/يوليو 2017 11:53
مختارات - إصدارات - كتابات: الممثلة العالمية ميريل ستريب - الثلاثاء, 18 تموز/يوليو 2017 11:39
Blue Grey Red
بحوث - مقالات - دراسات

ديك سميث: عرّاب الماكياج في السينما!

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الإثنين, 17 تموز/يوليو 2017 11:06

ديك سميث.. عرّاب الماكياج في السينما!

بقلم مهند الجندي

كان ريتشارد إميرسون “ديك” سميث (وُلد في 26 يوينو 1922 وتوفي في 30 يوليو 2014) فناناً أمريكياً في المؤثرات الخاصة والماكياج، عُرف بأعماله المتميزة في أفلام مثل Little Big Man وThe Godfather وThe Exorcist وTaxi Driver وScanners.

فاز بجائزة أوسكار عام 1985 عن فئة أفضل ماكياج وتصفيف شعر لعمله في فيلم Amadeus، ونال جائزة أوسكار تكريمية عن مجمل أعماله عام 2011.

نقدم لكم هنا الأسباب التي جعلت هذا الفنان ينال لقب “عرّاب الماكياج”..

بداية حياته

وُلد سميث في حي لارشمات في مدينة نيويورك، وهو ابن “كورال” و”ريتشارد روي سميث”، درس في مدرسة “ووستر” في دانبري – كونيتيكت، ثم في جامعة “ييل” التي درس فيها السنة الأولى التحضيرية لتخصص الطب ليصبح طبيب أسنان، لكنه تخلى عن فكرته لاحقاً ودرس علم الحيوان.

وبعد قراءته كتاباً عن تقنيات الماكياج المسرحي تحت عنوان Panit, Past and Makeup، بدأ في التقديم لتعلم الماكياج في مجموعة الدراما في جامعة ييل، ذلك قبل أن يسجل اسمه للخدمة في صفوف الجيش الأمريكي في الحرب العالمية الثانية بعد تخرجه.

بداية مسيرته التلفزيونية

دخل سميث مجال الماكياج بشكل كامل بعد الحرب، وكان معلماً شخصياً لذاته. أرسل صوراً لأعماله إلى الاستوديوهات السينمائية لكنها كانت تُرفض، عندها اقترح عليه والده محاولة الدخول إلى الوسط التلفزيوني المزدهر حديثاً.

فتم تعيينه كأول مخرج ماكياج لقناة WNBC “وهي قناة شبكة NBC في نيويورك”، حيث عمل هناك لمدة 14 عاماً تحت إدارة المنتج “ديفيد ساسكايند”.

كان سميث رائداً في تطوير ماكياج المؤثرات الخاصة وهو يعمل من الطابق السفلي لمنزله في لارشمات –  نيويورك، وهي مقاطعة عاش معظم فترات حياته فيها. يقول سميث في مقابلة أجراها عام 2008 أن زملائه كانوا: “يميلون نحو السرية.

لم يكن هناك الكثير من العمل في الماكياج في نيويورك، وكان من الأفضل لهوليوود أن تكون على كوكب آخر غير الأرض.

لم يكن لديهم الرغبة بمشاركة أي شيء؛ والاتحاد عمل ما بوسعه لتثبيط عزيمة أية ميول تقنية جديدة.”

كانت الوجوه الاصطناعية تُصنع عادة بقطعة واحدة، غير أن سميث كان يصنعهم بثلاث قطع من رغوة اللاتكس. لقد سمحت تقنيات التي ابتكرها سميث للممثلين أن يستخدموا تعابير وجوهم بأكملها. وبالرغم من تعرضه لانتقاد زملائه من فناني الماكياج المحترفين في بادئ الأمر آنذاك، إلا أن أساليب سميث أثبتت تفوقها مع الوقت.

إن الأساليب التي باتت معتمدة حالياً باستخدام المواد الاصطناعية على الوجوه كانت من اختراع سميث، وفقاً لما قاله تلميذ سيمث “ريك بيكر” في مقابلة عام 2007.

أثناء عمله في اقتباس تلفزيوني لرواية The Moon and Sixpence عام 1959، تطلب الأمر من سميث أن يحول الممثل “لورانس أوليفييه” إلى شخص يعاني من مرض الجذام: “عندما انتهيت من وضع الماكياج، نظر الممثل إلى المرآة وقال، ديك، إن الماكياج يُمثل عني.

لم أنسى هذه الكلمات في حياتي.” من أوائل أعمال سميث كذلك كان المسلسل الخرافي Way Out عام 1961 الذي لم يستمر عرضه لمدة طويلة وكان مستنسخاً عن مسلسل Twilight Zone، أنتجه سوسكايند في نيويورك وقدمه رولد دال.

أمثلة على أعماله في السينما “من أواخر الستينات حتى عام 1975”

في فيلم Little Big Man عام 1970، قدم الممثل داستن هوفمان وهو في الثلاثينيات من عمره شخصية رجل هندي، وكان عليه تمثيل شخصية رجل مسن جداً في فترات عديدة من الفيلم.

يقول سميث: “يبلغ عمر شخصية داستن في الكتاب 110 سنوات، لكن المخرج آرثر بين فاجأ الجميع برغبته أن يبدو شكله بعمر الـ120 سنة، لقد عملت لمدة ستة أسابيع على ماكياج السن المتقدم هذا، مستخدماً صوراً مرجعية لكل تجعيدة.” يذكر أن سميث كان قد عمل مسبقاً مع داستن على ماكياج شخصيته “راتسو ريزو” في فيلم Midnight Cowboy عام 1969.

اضطر سميث للاستخدام طُرق أخرى تستبدل الوجوه الاصطناعية للعمل على ماكياج شخصية دون كورليوني في فيلم The Godfather عام 1972، لأن مارلون براندو لم يرغب باستخدام تلك المعدات نظراً للوقت الطويل الذي يتطلبه تركيبها.

استخدم سميث بدلاً منها “الرسم بالنقط” عبر وجه الممثل ومن حول عينيه، كما استخدم جهاز لطب الأسنان يُدعى plumper كي يتدلى فك براندو.

 

ومن أجل أن يصور نزيف الشخصيات بعد تعرضها لإطلاق الرصاص، قال سيمث أنه ابتكر: “أول مؤثرات خاصة بالنزيف على الإطلاق في هذا الفيلم بواسطة أكياس هواء مخفية تحت جبين مصنوعة من رغوة المطاط، ومع لعبة نارية تقوم بتفجير كيس الهواء، مما يسمح للدم أن ينزف من حفرة في وسط جبين الممثل.”

كان سميث أيضاً من الرائدين الأوائل في مزج الماكياج مع المؤثرات الخاصة “العملية” في موقع التصوير، بدءً من فيلم The Exorcist عام 1973، وازدادت خبرة سميث مع حصوله على الكثير من الشهرة والثناء من خلال المؤثرات المختلفة والفريدة التي استخدمها في  فيلم الرعب الكلاسيكي هذا.

قال ريك بيكر لصحيفة واشنطن بوست عام 2007: “فيلم The Exorcist كان فعلياً نقطة تحول لمؤثرات الماكياج الخاصة. فقد وضّح سميث بأن الماكياج لا يقتصر على جعل الناس مرعبين أو متقدمين بالسن وحسب، بل هناك تطبيقات عديدة للماكياج.

لقد ابتكر طريقة تجعل من الرضوض تتنفخ على معدة الممثلة “ليندا بلير”، وجعل رأسها يلتف كلياً، كما أنه ابتكر مشاهد التقيؤ.” قام سميث بابتكار لعبة ميكانيكية من أجل تنفيذ مشهد دوران الرأس في الفيلم.”

أعماله السينمائية “1975 وحتى 1989”

ابتكر سميث كذلك ماكياج شخصية ترافيس بيكل للممثل روبيرت دي نيرو في فيلم Taxi Driver عام 1976، بالإضافة إلى تصميمه لمؤثرات خاتمة الفيلم المنقوعة بسيل من الدماء.

فاز سميث مع بول ليبلانك بأوسكار أفضل ماكياج عن عمله في فيلم Amadeus عام 1984، كان عليه مرة أخرى أن يعمل على تكبير الممثل الرئيسي في الفيلم، فقام بتحويل الممثل إف. موراي ابراهام وهو بعمر الـ44 عاماً إلى أنتونيو ساليري وهو مسن جداً.

قال الممثل موراي ابراهام في إحدى المرات: “عندما نظرت إلى المرآة، ونظرت لوجهي، شعرت أن شكلي مقنع تماماً.” وقال سميث أيضاً: “يجب على الممثلين أن يشعروا بأحاسيس الشخصيات التي يجسدونها على الشاشة. وأعتقد أن عملي قد ساعد الكثير منهم لتحقيق ذلك.”

حصل سميث على ترشيح ثان لجائزة الأوسكار عن عمله في فيلم Dad عام 1989، حيث قام فيه بتكبير الممثل جاك ليمون من أواسط الستينات إلى الثمانينات من العمر.

أواخر حياته “1990-2014”

عمل لاحقاً في أفلام مثل Death Becomes Her وForver Young عام 1992، وHouse on Haunted Hill عام 1999 الذي كان آخر أعماله السينمائية.

ركّز سميث بعد ذلك على تعليم أساليب عمله للفنانين الجدد، ونال في شهر نوفمبر من عام 2011 جائزة أوسكار تكريمية عن مجمل أعماله. وهو أول فنان ماكياج ينال هذا الشرف.

توفي ديك سميث في لوس أنجلوس بتاريخ 30 يوليو 2014 عن عمر يناهز 92 عاماً.

 

مَنْ لا يعرف جون غليغود؟

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الثلاثاء, 11 تموز/يوليو 2017 12:27

مَنْ لا يعرف جون غليغود؟


قاعة القراءة الرئيسية في مكتبة الكونغرس

بقلم زياد عدوان

أخذت الممثلة البريطانية جودي دينش على تلاميذ المسرح الحاليين في بريطانيا عدم معرفتهم بالممثل البريطاني جون غيلغود، وعدم اكتراثهم بتاريخ المسرح البريطاني ورموزه. جون غيلغود، والذي توفي عام 2000، هو بالفعل أحد عباقرة التمثيل في بريطانيا والعالم، وهناك مسرح كبير باسمه في لندن، ومسرح أيضاً باسمه في الأكاديمية الملكية للفنون المسرحية في لندن، وبالتالي يصعب على أي مسرحي، أو تلميذ يدرس المسرح في بريطانيا، أن لا يعرف جون غيلغود. وإن كان هذا التلميذ كسولاً فمن الصعب أن لا يعرف اسم جون غيلغود، وهو أحد النجوم القلائل الذين حازوا على جميع الجوائز الشهيرة، جائزة الأوسكار (للأفلام)، والتوني (للمسرح)، والغرامي (الموسيقى)، والإيمي (للتلفزيون).

قد يكون هناك فعلاً من لا يعرف جون غيلغود ممن يدرسون المسرح في بريطانيا، وقد يكون كلام دينش عابراً، أو تعبيراً عن صعوبة تقدير عظماء الفن والأدب، والرغبة الدائمة بتأكيد ديمومتهم، الموجودة أصلاً. ولكن دينش عرجت أيضاً في خطبتها بمناسبة تكريم جون غيلعود إلى ضعف التلاميذ الحاليين في الإلقاء، وأنها بالكاد تستطيع أن تسمع الحوار في العروض المسرحية التي تشاهدها.


التلاميذ الكسالى

انحشر التلاميذ الكسالى بين العظماء وأسماء بمستوى جودي دينش وجون غيلغود، وتصدَّر نعت "التلاميذ الكسالى" عناوين الصحف التي غطت خبر التكريم. ولكن وإن كان التلاميذ الكسالى جاهلين بأسماء جون غيلغود وجودي دينش فلمن توجه دينش كلامها؟ بالطبع كانت دينش على دراية بأن نجوميتها ستتيح لكلامها أن ينتشر في الصحف والبرامج ليسمعه القاصي والداني، ومع ذلك فهؤلاء الكسالى غير متابعين للصحف والبرامج التي تغطي أخباراً عن أسماء لا يعرفونها. ولهذا قد يكون المعني بكلام دينش ليس الكسالى من التلاميذ بل ربما أساتذتهم، فلا تلاميذ بلا أساتذة.

يستسهل الجميع انتقاد التلاميذ والأجيال الجديدة، من دون التطرق إلى من يتولى تعليمهم، فمسؤولية فشل التلاميذ، أو ضعفهم أو قلة ثقافتهم، تقع على عاتق التلاميذ وحدهم. وما يزيد عبء الاتهامات على التلاميذ هو أنهم أخر من يقرر مناهجهم وأخر من يقرر أساتذتهم، بينما يملك الأساتذة الحق بانتقاء التلاميذ، وليْ المناهج حسب اختصاصاتهم. ولكن التلاميذ تلاميذ، وهناك الفضولي، والهادئ، والمرح، والكسول. ولعل التفاوت بين مستويات التلاميذ واهتماماتهم نابع من صفاتهم الشخصية أو الطرق المتبعة لتعليمهم، أو السببين سوية.

تقدّم المناهج الأكاديمية نفسها على أنها الأكثر ثباتاً أمام المتغيرات. وقبل ثورة التكنولوجيا والمعلومات، كانت المناهج الأكاديمية قليلة التبدل في القرن المنصرم. وأمام إصرار هذه المناهج على الثبات، تحولت من تقديم مفاتيح وأساليب تساعد التلاميذ على مقاربة موضوعاتهم إلى مناهج تعتبر نفسها صالحة للجميع. ولأن المناهج بشكل عام غير "لطيفة" ولم يتم خلقها إلا لتكون قسرية، يقوم المعلم بفرض سلطته على تلاميذه من دافع ذاتي بحت يبقيه متفوقاً على تلاميذه. ولا يخفي العديد من الأكاديميين رغبتهم بتطويع تلاميذهيم ضمن نطاق معارفهم، وفي بعض الأحيان يستطرد الأكاديميون، ومختصو المسرح تحديداً، ويتحدثون عن رغبتهم بتغيير المجتمع ليكون على وفاق  مع المعرفة المسرحية التي يملكونها.


الهالة الأكاديمية

بات من المتعارف عليه أن فشل أحد التلاميذ بقبول المنهج التعليمي فتلك مشكلة هذا التلميذ حصراً، وليس المنهج. وفي الوقت الذي توجه فيه سهام النقد نحو التلاميذ، يحيط الأكاديميون أنفسهم بهالة، يصعب على المرء اختراقها، لما يكتنزه الأكاديميون من مصطلحات ومعرفة معقدة وعميقة. وبالفعل تبقى معظم السجالات الأكاديمية منغلقة على نفسها في حلقات غامضة، إما ضمن الغرف في الأكاديميات، أو خلال المؤتمرات العلمية، التي لا يشارك فيها إلا المعنيون بهذا الحقل. وتكمن المشكلة هنا بعلاقة المعرفة والأكاديمية بالنخبوية، والتي يكون وقعها على الفنون عائقاً أمام ديمقراطية هذه الفنون وإبداعها. والمثير للاهتمام تلازم الحصول على المعرفة بمفردات كـمحصن، ومدجج، ومسلح بالمعرفة، وكأن المعرفة المكتنزة هي أداة لخوض المعارك، لا مادة تتيح للجميع مشاركتها.

بدأت فنلندا العام الماضي بإدخال مفاهيم تعليمية جديدة، والتركيز على دراسة الظواهر بدلاً من إخضاع تلاميذ المدارس إلى منهج واحد، أحد. وعلى سبيل المثال يدرس التلاميذ في صفوفهم مفاهيم كالقهوة، وعبر دراسة هذا المفهوم يبحث التلاميذ عن كيفية صناعة القهوة وزراعتها، وعاداتها، وتواجدها عند الشعوب، وتسويقها وإعلاناتها والعمليات الحسابية المتعلقة ببيعها وشرائها، وآثارها على الجسم وهضمها. تتداخل المعلومات وطرق التحليل مزيلة الحدود بين المناهج في الصفوف التي تعتمد دراسة الظوهر. لا زالت هذه الطريقة حديثة العهد، وقد تمتد هذه الظاهرة لتتطرق إلى كل ما يحيط بالتلاميذ في حياتهم اليومية من ظواهر كالطقس وكرة القدم، وصيد السمك والمسرح ربما.


في مفهوم الأداء

في كتاب "الأداء: مقدمة نقدية"، يقوم الأكاديمي الأمريكي مارفن كارلسون بالتصدي لتعريف مصطلح (الأداء). يمر الكتاب على العديد من المناهج الاجتماعية والانتروبولوجية والنفسية واللغوية والتاريخية والمسرحية، كما يمر على العديد من التجارب المسرحية والأدائية المتطرفة بتجريبيتها، لمحاولة تقديم تعريف ما لهذا المصطلح. ينتهي كارلسون في الكتاب، الذي يتجاوز 200 صفحة، إلى صعوبة تقديم مقاربة واضحة لهذا المفهوم. وإن كان كارلسون ميالاً إلى ربط مفهوم الأداء باستعراض المهارة، إلأ أنه يساجل أن المشكلة ليست في ظاهرة فنون الأداء، بل في الأكاديميات التي تعجز مناهجها ومفرداتها عن مواكبة مفهوم الأداء وفنونه، ويقترح مع نهاية الكتاب أن تكون مقاربة هذا المصطلح عبر تداخل المناهج. وبالفعل أنشأت بعض الجامعات الأمريكية فروعاً لدراسة فنون الأداء (وهي غير فروع المسرح)، كما وضع ريتشارد شكنر كتاباً حول دراسة هذا المفهوم عام2002  ليكون الكتاب الأول الذي يقارب هذا المفهوم عبر تمازج وتلاقح بين المناهج الاجتماعية والسياسية والانتروبولوجية واللغوية والمسرحية.

وكما بقية العلوم، يواجه أكاديميو المسرح سنوياً تحديات تتجلى بتطوير المناهج، واستيعاب التيارات الجديدة، وتقديم تفسيرات جديدة أيضاً للمصطلحات النقدية. في مقالته (أسئلة بلا إجابات في مجال تعليم المسرح) يستعرض ستيورت اي بيكر مجموعة من الأسئلة الحرجة عن فوائد تعليم المسرح للتلاميذ، ويتساءل "لم كل هذا التردد أمام وضع الأهداف للمناهج المسرحية؟ وما الذي تعنيه الشهادات والعلامات في المسرح؟ كيف نقوم بدعم جاهزية هؤلاء التلاميذ، وما الذي سيفعلونه بالمعرفة والمهارات التي نحاول تقديمها لهم؟". وحقيقة الأمر أن الأسئلة المتعلقة بالأكاديميات المسرحية لا حصر لها: هل المسرح علم مستقل أم أنه نشاط بشري مرتبط على الدوام بمحيطه ونتاج علوم عصره؟ وكيف يتم التوفيق بين المعرفة النظرية، والتعلم عن طريق الممارسة؟ ثم ماذا عن تشبث الأكاديميات بالحداثة، بمفاهيمها، وتراتبيتها، وأهدافها، في الوقت الذي تنفلت فيه أفكار ما بعد الحداثة في العالم، بشكوكها، وسخريتها، وتعدديتها. ولماذا توجه سهام النقد بهذه السهولة نحو التلاميذ دون التطرق إلى أساتذتهم والمناهج التي درسوها؟

بالطبع لا تنوي هذه السطور أن تفتح الباب للتلاميذ الكسالى كي يشككوا في أهمية التعليم. فهذه السطور ليست دعوة للجهل، ولا للتقليل من شأن المعرفة والاضطلاع في تطوير العملية الإبداعية أي كان شكلها، ولكن تنوي هذا السطور التخفيف من ابتزاز المعرفة وتعاليها، وإلى التمعن بجدوى هذا الحقل الأكاديمي الحديث نسبياً، والذي لا زال يتلمس وجوده المتراوح بين العلم الخاص والقدرة على تطبيقه في تجارب عملية.

بات التعليم الأكاديمي في عصرنا الحالي أمام مآزق عديدة، لعل أهمها سهولة الحصول على المعلومة في أي وقت عن طريق الموبايل (الذكي)، بمناسبة الحديث عن التلميذ الكسول. الانترنت نفسه يوفر لمن يرغب بالحصول على أي كتاب أن يباشر قراءته أو الاضطلاع عليه بلحظة واحدة. وتبقى علاقة التلميذ بالمعلومة مرتبطة بقدرته على التذكر أو بمجال اهتمامه. وطبعاً تبرز المشكلة الأهم بمحاولات قوننة العمل الإبداعي، ففي الوقت الذي تحاول فيه الأكاديميات إنشاء قوانين وأسس، يقوم المسرحيون المعاصرون بالتمرد عليها، ملتمسين الحاجة إلى أشكال تعبير أخرى بعيدة عن التصنيفات الأكاديمية. وهنا تكمن الخصوصية الفريدة لتعليم المسرح والفنون، عندما ينتظر المعلم من تلميذه أن يفاجأه بابتداع أساليب جديدة وشخصية، أو بجهد بحثي جديد يفضي إلى نتائج لا يعرفها أستاذه، أو إلى نتائج لا يشترك الأستاذ بها ولكنها مقنعة بتماسكها.


المسرح والمعيش

الأكاديميات المسرحية حديثة وبدأت بالتشكل منذ قرن ونصف تقريباً، فيما بدأ المسرح بشكله الذي نعرفه حالياُ (نص يقوم ممثلون بأداء شخصياته) منذ ألفين وخمسمئة سنة. طورت الأكاديميات جماليات التمثيل، وساهمت بشكل ملحوظ بتطوير النظريات المسرحية. وبالعموم، تسعى أكاديميات المسرح إلى الوصول إلى (مساحة شاملة من التوقعات) كما وصفها العديد من الأكاديميين في كتاب (مفاهيم مفتاحية في تعليم المسرح والدراما). يحاول الأكاديميون ضمن هذه المساحة أن يوفروا الانسجام والتكامل بين المناهج والأهداف. ولكن المسرح ومنذ ظهوره أتاح للمسرحيين مراتب مرموقة، ضمنت لهم رعايات ملكية وجاذبية جماهيرية. ومع السعي لجعل المسرح احترافياً، وهي المهمة التي تناط بها الأكاديميات في عصرنا الحالي، بات الممثلون أقل أماناً من الناحية المعيشية، ومعتمدين على النقابات والرعاية الحكومية التي لا تفضي بالضرورة إلى ممارسة العمل الذي درسوا من أجله.

تضمنت الاحترافية المسرحية نوعاً من النخبوية بين الأكاديميين، وكان هناك دوماً مد وجزر بين المخرجين والممثلين من جهة والأكاديميين من جهة أخرى، ووصلت في نماذج عديدة إلى حد المقاطعة وعدم احترام جدوى عمل الأخر. فالأكاديمي ميال إلى تصور نموذج متكامل للمسرح وبالتالي يجد معظم العروض المطروحة أمامه دون مستوى معرفته الأكاديمية، بينما يرى العاملون في المسرح الأكاديميين منظرين يعملون في الفراغ. وهناك العديد من المخرجين الذين يرفضون حضور الأكاديميين لبروفاتهم، بينما تبقى أبواب البروفة مفتوحة لجميع الفضوليين الآخرين.

ومع هذا التنازع مع الأشكال المسرحية المألوفة، تبنَّى المسرح الأكاديمي موقفاً حاداً ومتشنجاً ضد المسرح التجاري، وأهدافه التجارية من ناحية الربح المادي وشباك التذاكر، وسوية النصوص المقدمة، التي تكون هزلية ومبتذلة بالغالب، واعتمادها على حضور النجم. في مقاله (إعادة التأهيل الاحترافي للمسرح: أفكار حول الالتحاق بالمؤسسات التعليمية) يبحث عالم الاجتماع جون هورتون عن معنى تعليم المسرح، مركزاً على النتائج والمراحل التي أفرزتها احترافية تعليم المسرح. ورغم انقضاء وقت طويل على تاريخ نشر هذه المقالة، إلا أن حضور المفاهيم التي ناقشها هورتون عام 1969، ما زالت حاضرة إلى بطريقة تؤكد رفض هذه المنظومة إلى أي تغيير يؤثر على هرميتها.

يرى هورتون أن منظومة النجم في المسارح التجارية واضحة، ولكن منظومة النجم الأكاديمي هي المسكوت عنها في الدوائر المسرحية الأكاديمية. يرتقي نجم المسرح التجاري بازدياد الجمهور والطلب عليه، كما يدخل بمنافسة جدية للحفاظ على نجاحه التجاري، فيما يعتمد النجم الأكاديمي على المزيد من الرسمية والمزيد من التلاميذ ومعايير العلامات وضمانات بيروقراطية ترسخ النجم الأكاديمي في برجه. ولكن لا تعتبر الضمانات البيروقراطية وثبات مركز المدرس الأكاديمي الأسباب الوحيدة لنجومية أكاديميي المسرح، بل تنبع النجومية أيضاً من خلال خبرتهم وخدمتهم التي لا تقدر بثمن في المجالات التعليمية والاجتماعية. وتتعاظم نجومية أكاديميي المسرح مع ثبات مواقعهم، واللغة التي يستخدمونها والتي توحي إلى طموح للمزيد من القوة الاقتصادية والاجتماعية، على حد تعبير هورتون.

تبنت الأكاديميات المسرحية ملامح من المسرح التجاري وصناعة النجوم، حيث يتطلب الدخول إلى المجال الأكاديمي للمسرح منافسة هائلة بين المتقدمين، وتكاليف تعليم باهظة، تصل تكلفة الدراسة بها سنوياً ما يفوق حضور 200 مسرحية تجارية في السنة، كما هو الحال في بريطانيا. والمحير بالأمر هو ما الذي يدفع تلميذاً ما للكسل، كما أشارت جودي دينش، وقد تجاوز منافسة هائلة ودفع مبالغ طائلة؟ ألا تبدو مراسم توزيع الشهادات الجامعية نشاطاً أقرب لما تقوم به هوليوود بتوزيع الأوسكارات، ولكن بدلاً من تصويت اللجان لمنح جوائز الأوسكار، تتكفل العلامات بتوزيع التلاميذ وتحديد تراتبياتهم؟ ويمكن لنا التأمل بالأسماء الرنانة التي أفرزتها الأكاديميات المسرحية لتصبح نجوماً في مجالاتها، فمارفن كارلسون هو نجم، كما هو رولان بارت وريتشادر شكنز، وإدوارد سعيد.

أفرزت هذه الأكاديميات أساتذتها المحصنين والمدججين والمسلحين بالمعرفة، والذين أضحوا نجوماً يصعب الوصول إليهم أو التواصل معهم لجدية انشغلاتهم، وفي بعض الأحيان يتحول النجوم إلى أشخاص غامضين غير متوفرين لتلاميذتهم. وأمام انغلاق الأكاديميين في دوائرهم الضيقة، والتي تبدو كالحصن الذي لا يتجرأ أحد أن يمس به ، يصبح من السهل توجيه الاتهامات إلى التلاميذ الكسالى كما فعلت جودي دينش عندما لامت التلاميذ، دون الإشارة إلى أساتذتهم.

ولأن المسرح هو جزء من الأنشطة الاجتماعية البشرية والتي تنزع بالعموم إلى الاصطفائية وتصنيف ومكافأة البشر حسب مهارتهم، وحظوظهم، يحضر التلميذ إلى الصف ليكون الحلقة الأضعف بين تراتبية النجوم الأكاديميين. بالطبع هناك تفاوت بين الأكاديميات المسرحية في العالم وبين علاقة التلاميذ بأساتذتهم حسب الأقسام والبلدان. فتبتعد العلاقة بين التلاميذ وأساتذتهم في الأكاديميات المسرحية البريطانية والأميركية عن الرسميات، بينما تشجع الأكاديميات الألمانية الخلط بين المناهج، ويتحدث الكثيرون عن صرامة الأكاديميات الفرنسية، أما عربياً فأعتقد أن العلم ما زال مأسوراً عند "من علمني حرفاً كنت له عبداً، وكاد المعلم أن يكون رسولا". ولكن، وبالعموم يبدو معيار التلميذ الكسول أو الفاشل هو بحد ذاته انتقاصاً من التجربة الديمقراطية للمسرح. وقد كان للتجربة الأكاديمية في المسرح دوراً في تكريس طوباية المسرح ونخبويته وتعاليه على الجمهور.

قد تكون هذه السطور انتصاراً للتلاميذ، وللكسالى منهم، ولكنها مدعاة للتأمل بما يفكر ويشرد فيه هذا التلميذ الكسول. ولا بد من الاعتراف أن التعامل مع هذا النموذج الكسول هو تحد لثبات المناهج وإصرارها على أن تكون قابلة للتطبيق على الجميع. ولعل التعامل مع التلميذ الكسول أكثر تحفيزا للإبداع من التعامل مع التلميذ المدعي للثقافة، فلهذا الأخير دور ما في ثبات المناهج التعليمية، وتطمينها بأن العلم والمعرفة ينتهيان حيث انتهى الصف التعليمي الذي تخرج منه.


 
 

المسرح السوري في سنين الجمر (1-2)

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الخميس, 06 تموز/يوليو 2017 18:12

المسرح السوري في سنين الجمر (1-2)

هل كتب السوريون تراجيديتهم؟


صورة من مسرحية: التخريب للمبتدئين

بقلم علاء الدين العالم

خير ما تسمى به الحالة السورية، هو "تراجيديا إنسانية"، تراجيديا بكامل عناصرها المأساوية، وضعت الجميع أمام أسئلة جذرية عن الهوية والمجتمع والحرية، وفرضت واقعاً مشتعلاً يكوي كل من يقاربه. من هنا، وكغيره من المجالات الاجتماعية، وجد الفن نفسه أمام واقعٍ قاسٍ و زاخر بالأحداث، هرولت السينما نحو توثيق اللحظة الراهنة، وفتحت السردية السورية الكبرى الأدب على مصراعيه أمام أناس متعطشين للبوح، ماتت فنون أو تكاد، وأحييت أخرى، ولكن، ماذا عن المسرح السوري في هذه التراجيديا؟ وقبل ذلك، علامَ يدلل تركيب "المسرح السوري"؟ هل يقتصر على المسرح المُقدم في سورية تحت ظروف قاسية جداً، أم أنه يتسع ليشمل المسرحيين السوريين المتفرقين في أصقاع الأرض؟ وإذا كان المسرح عامة ــ والسوري على وجه الخصوص ــ محكوماً قبل أعوام "بالأمل" فهل هو اليوم محكومٌ بالعمل؟

في ظل هذا التوسع لمفهوم المسرح السوري، لم يعد ممكناً لمقالٍ نظري ــ مهما اتسع ــ أن يحيط بحال المسرح السوري في ظل الانفجار الذي تشهده سورية اليوم، لذلك سعت "ضفة ثالثة" إلى نقل حال المسرح السوري اليوم على لسان فاعليه الذين تحدثوا عن أثر الحالة السورية على المسرح، هل عاد الزخم الحاصل بالإيجاب على المسرح السوري أم لا؟ وكيف تم ذلك؟


هنا هذه المقاربات:

د.ماري الياس: لم يكتب السوريون تراجيديتهم

كانت الناقدة والمترجمة د.ماري الياس، وهي المدرسة العريقة في المعهد العالي للفنون المسرحية، من أوائل الفاعلين الثقافيين الذين سعوا إلى خلق مسرح مستقل في سورية، عبر عمل مؤسساتي تطور حتى استحال إلى مؤسسة "مواطنون.فنانون" المستقلة التي تقدم كل عام دعماً للمشاريع المسرحية السورية. عن التراجيديا السورية والمسرح قالت:

"بالفعل تحولت الحالة السورية إلى تراجيديا إنسانية، لكن لم ينعكس هذا في المسرح السوري إلا قليلا، بل وقليلاً جدا. ببساطة لم يكتب السوريون إلى الآن "تراجيديتهم"، لم يكتبوا إلى اليوم ما يعطي هذه التراجيديا حقها. لم أطّلع على كل ما كتب، لكن ما يلفت النظر هو ما يُقدم داخل سورية، ومحاولة تجاهل الحدث، وهي أحد الأسباب التي تستدعي دعم العروض المسرحية التي تقارب التراجيديا السورية، فالأغلب يقارب الحدث من مسافة بعيدة جداً، لذلك نرى جل العروض المسرحية المقدمة في سورية تطرح أفكاراً هامشية نسبة لزخم هذه التراجيديا الإنسانية، وإذا كانت الرقابة قد حالت دون تقديم عروض مسرحية تقارب الحدث فعلاً، فإن هذه الرقابة ليست حاضرة بذات الصورة في عملية الكتابة المسرحية التي عجزت هي الأخرى إلى اليوم عن كتابة ما يتسق مع التراجيديا التي نحياها.

أما المحاولات التي حصلت خارج سورية، فأغلبها اتجه إلى اللاجئين، لكن هل يكفي طرح موضوع اللاجئين مسرحيا لنقل المأساة السورية؟! فمثلا عمل كل من عمر أبو سعدة (مخرج) ومحمد العطار (كاتب) في عروض "بينما كنت أنتظر، الطرواديات، أنتيغونا" ، و قاربا الحالة السورية. وتجدر الإشارة إلى أن العطار كان أول من كتب للمسرح في هذا السياق، وحاول مع أبو سعدة الاستناد إلى التراجيديا اليونانية في مقاربة التراجيديا السورية، كما في عرضهما "الطرواديات" عن نص بالاسم ذاته للكاتب اليوناني يوريبيديس. أعطى يوربيدس اليوناني الكلام فيه لنساء من طروادة يتكلمن عن مأساتهن، وهنا مكمن القوة في النص، الكاتب المنتصر (اليوناني) يتكلم بلسان العدو (الطروادي)، وللأسف في العرض السوري لم تستثمر نقطة القوة تلك، كونه أعطي الكلام لنساء لاجئات لم يستوعبن مأساتهن تماما، كونها مازالت حديثة العهد.

من جهة أخرى، حاول بعض الشباب الكتابة من خلال ورشات الكتابة المسرحية، أذكر منها اثنتين نظمتهما "مواطنون.فنانون" وورشة أقامتها "Royal court" و"Britsh counsl"، وأنتجت هذه الورشات بعض النصوص منها نص "عندما تبكي فرح" لمضر الحجي الذي تفاءلت به خيرا لما فيه من بادرة نقدية للثورة الحقيقية، الثورة على الذات قبل المجتمع. لكن رغم ذلك، لم نقرأ نصاً إلى اليوم يقدم نظرة أدبية شاملة على ما جرى، وقد يكون هذا منطقيا كوننا ما زلنا في عين العاصفة، وما زالت الصورة غير واضحة.

تدعم اليوم "مواطنون.فنانون" المشاريع المسرحية المستقلة، لكن هذا ليس وليد الثورة، بل من الخطأ الحديث عن نشوء مسرح سوري مستقل بعد الحراك فقط، فأنا عملت منتصف العقد الماضي مع المعهد المسرحي في ستوكهولم على تمويل عروض مستقلة داخل سورية، وقدمت للسويديين حينها اقتراحا يُعنى بتشجيع الشباب على الكتابة والإخراج المسرحي، وبالفعل تم المشروع، وتم تمويل بعض العروض وتشجيع الشباب على تقديم مسرح مستقل، ومن جملة العروض التي دعمناها وشجعنا أصحابها عرض "الشريط الأخير" لأسامة غنم، وعرض "المرود والمكحلة" لعمر أبو سعدة، وعرض "قصة حديقة الحيوان" لرأفت الزاقوت.

استمر هذا العمل الثقافي المستقل، وتطور، وانبثق منه "مواطنون.فنانون" التي اتسع معها هامش المنح المسرحية، وورشات الكتابة، لكن ما حصل هو ارتباك الفنانين الشباب لهول ما حدث من جهة، وانكفاء المؤسسات الحكومية بعد 2011 عن دعم المسرح المستقل من جهة أخرى، حيث أُجهضت العلاقة البناءة بين المسرح المستقل ممثلاً بصناديق الدعم والمسرح الحكومي ممثلا بمديرية المسارح والموسيقى، هذه العلاقة التي جاهدنا إلى بنائها وشد أواصرها منذ عام 2006.

د.سمير عثمان: المسرح لا يتطور في زمن الحرب

لم يتوقف د.سمير عثمان عن العمل المسرحي الأكاديمي في أيام الحرب، فبعد أن كان أستاذاً في قسم التمثيل ورئيساً له، عاد إلى تطوير مشروعه "مدرسة الفن المسرحي"، عن المسرح والحرب قال عثمان:

المسرح لا يتطور في زمن الحرب. لقد شتت الصراع السوري كوادر البلد، وحطم المعايير، وأدى إلى تضييق الأفق الضيق أصلاً... المؤسسات الثقافية الرسمية استمرت بالإنتاج بالرغم من قلة الإمكانات المادية وندرة الكوادر، كي تثبت أنها لم تلفظ أنفاسها. ولتحقيق ذلك فسحت المجال للهواة ليصعدوا إلى خشبة المسرح المحترف. وطبلت لبعض المسرحيين المتواضعين فنياً وعلمياً والموثوق بانتمائهم كي يكونوا نجوم المرحلة... من جهة أخرى تلقفت المؤسسات المانحة في الخارج (وهي شكلانية ومشتتة وبيروقراطية) كل من قال من المسرحيين: أنا معارض... ومنحتهم فرص إقامة عروض مسرحية وأبحاث، لم ولن تؤثر لا بالقضية السورية ولا بتطوير المسرح السوري...

إنّ مجرد انقسام المسرحيين السوريين في الأزمة إلى فريقين أحدهما يطبل والآخر يزمّر، لهو دليل قاطع على عدم وجود مسرح سوري حقيقي، عميق وفعّال. كما أنّ الحرب السورية ليست حدثا بدئياً للتراجيكوميديا السورية الحالية، بل هي الذروة في هذه المأساة الهزلية الممتدة. لذلك فإن الضحالة التي ظهرت في المسرح مثلا، هي نتيجة طبيعية للخط البياني الساقط منذ عقود، والذي يعكس فشل أمة كاملة في بناء دولة ومجتمع ومسرح..


د. سامر عمران: كيف كان حال المسرح قبل الحرب؟

قدم المخرج سامر عمران عروضاً مسرحية عدة قبل الحرب وبعدها، وكان عميداً للمعهد العالي للفنون المسرحية قبل الحرب وبعدها أيضا، عن المسرح وأثر الحرب عليه يقول:

في الحقيقة لا أعرف بدقة إن كان هناك أثر إيجابي أو سلبي على المسرح في فترة الحرب المدمرة التي نعيشها، السؤال مبدئيا كيف كان حال المسرح قبل الحرب؟ في الحقيقة لم يكن هناك مسرح محترف يولِّد تقاليد فرجة وإنما مجرد تجارب فردية يمكن أن تكون جيدة فنيا وفكريا هنا أو هناك بين فترة وأخرى، ولا يبدو لي أن هذا محض صدفة، وتحدثت أكثر من مرة أن هذا أيضاً واحد من مسببات ما يجري في البلد، إن نظرنا بموضوعية وبعين محايدة سنجد أن الكثير من فناني المسرح استطاعوا إيجاد صيغة ما لتكوين مجموعة تقدّم ما يمكن تقديمه على المسرح وهذا التحدي للموت والعنف وللتطرف، هذا من مميزات المسرح كمكان للإبداع الجماعي والذي يكتمل بحضور المتلقين للمشاركة بهذا "التحدي".. أما على المستوى الآخر فأظن - خصوصا في السنتين الأخيرتين - أن العروض أخذت صيغة مالت للتعبير الشعاراتي المباشر عن توجّه أصحابها إيديولوجياً، في حين أعتقد أن هذه لربما يمكن أن تكون من مهام الإعلام، ولعبت بعض الصحافة دورا سلبيا بتكريس هذا الجانب وذلك بتخوين أي عرض لا يتحدث بهذه الطريقة - ولو بصيغة مباشرة وساذجة - وكأنه شريط إخباري، نحن بحاجة لسؤال أعمق و لرؤية فكرية وفنية أبعد تُفضي إلى انفعال مؤثّر ومغيّر لدى المتلقي وهذا يتطلب الحد الأدنى من شرط الحرية المسؤولة عند فنان المسرح، والحد الأدنى من الشروط المادية والتقنية، وهذا غير متوفر حاليا ولا أظن أنه سيتوفر في المستقبل القريب.. والمشكلة ليست في الحرب بذاتها وإنما بانتهازها واستخدامها لمصالح محض شخصية من قبل المسؤولين المؤثرين على الحركة الثقافية عموما والمسرحية خصوصا.. يكفي أن تعقد مقارنة بسيطة بين إنتاج فيلم سينمائي مهما قلَّت تكاليفه وبين إنتاج عرض مسرحي مهما بلغت تكاليفه، لتعرف حال المسرح السوري، وطبعا نحن نتحدث الآن وهنا، في خضم الحرب.

عبد الله الكفري: المهم أن يبقى العمل المسرحي جارياً

منحت مؤسسة اتجاهات دعماً للمشاريع المسرحية المستقلة، في سعيها لتأسيس ثقافة مستقلة، بحيث ساهمت في خلق المزيد من الفرص أمام شباب المسرح السوري. كيف تلتمس المؤسسات المستقلة أثر الحرب على المسرح، يجيب المسرحي عبد الله الكفري المدير التنفيذي لمؤسسة اتجاهات قائلاً:

من منطلق مؤسساتي أكثر منه فردياً، أؤكد أن الحراك أثّر بالإيجاب على المسرح السوري. والأهم هو السؤال عن كيفية هذا التأثير، فالحراك أثر على مستويات عدة: هناك تغييرات جذرية أصابت المشهد الثقافي السوري عموما، والمشهد المسرحي على وجه الخصوص، أولها انتقال الفنانين، إذ انتقل جل الفنانين السوريين من بيئتهم إلى بيئات أخرى، عربية أو أوروبية، وبصورة خاصة لبنان، حيث انتقل العديد من الفنانين السوريين إليه، وقابلوا جمهوراً جديداً، وقدموا أعمالهم في كنف سياسة ثقافية مختلفة عن سورية. في سورية الفنان يفترض وجود مؤسسة رسمية تقوم بدعمه عبر أشكال متنوعة، سواء عن طريق تأمين مكان البروفات، أو بتأمين مكان العرض...إلخ، بينما في لبنان فلا وجود لمؤسسة رسمية بالمعنى السالف، لا يوجد مسرح قومي في لبنان، والدعم في مجال المسرح ينحصر في صورة مناسباتية، لكن في المقابل أتاح هذا الانتقال أمام الفنان المسرحي السوري فرصا متعددة، ما خلق حيوية وجرأة على التعاطي مع العمل المسرحي. ورغم أن هذه التجارب ما زالت في طور اكتشاف الأدوات واختبارها، إلا أن أهميتها تكمن في تحريكها الوسط المسرحي السوري.

أحد أكبر التحديات التي تواجه الفنان السوري اليوم هو أن الإنتاج المتاح له، متاح مرة واحدة، وهذا يؤدي بدوره إلى أسئلة حول ضرورة المراكمة، وصعوبتها في ظروف إنتاجية كهذه، حيث للفنان فرصة واحدة فقط. زد على ذلك، أن هناك التفاتاً إلى ثيمات معينة دون سواها من جهة الداعم، فغدت موضوعات الحرب والثورة والتهجير محددات لدعم المشاريع.

وهناك مستوى آخر من التحديات يخص الفنانين السوريين الذين انتقلوا إلى أوروبا، حيث البيئة جد مختلفة، وتنتصب أمام الفنان تحديات مختلفة انطلاقا من اللغة وانتهاءً بالسياق الثقافي، يضاف إليها عدم الاستقرار. لكن، وبالرغم مما سلف، أرى أن هناك حيوية في المسرح السوري اليوم، وظهرت تأثيرات جلية على المسرح السوري إبان الحراك، منها النص المسرحي السياسي على سبيل المثال، إذ يوجد اليوم كتاب مسرح سوريون يعبّرون صراحة أن نصهم سياسي، وبغض النظر عن فحوى الرأي السياسي، إلا أن هذه الحالة جديدة على المسرح السوري وتستحق الوقوف عندها ودراستها.

من جهة أخرى، يواجه المسرح السوري ــ وينطبق هذا على الفن السوري قاطبة ــ إشكال "استحالة المتخيَّل"، فإلى اليوم ما زلنا ننتج أعمالا فنية لصيقة بالواقع لا تتجاوز التوثيق والتفسير والقراءة، ولهذا أسباب تفسره منها هول ما حدث ويحدث في سورية اليوم، وبالطبع يبقى ذلك رهن مرور الزمن.

على المؤسسات الثقافية المعنية بالإنتاج الثقافي السوري ودعم الفنانين المستقلين مواصلة دعم الفنانين بعيدا عن التقييم. فمثلا في "اتجاهات" نعنى جدا بالمنتج الفني، والمعيار الوحيد الذي على أساسه نختار المشاريع هو جديّة العمل الفني، ولا نلتفت لمنطقة دون أخرى في دعم المشاريع، فالفنانون السوريون ورغم وجودهم في سورية تحت ظروف قاسية جداً لكنهم لا يزالون قادرين على المنافسة والعمل. لذلك تتوجه اتجاهات للفنانين السوريين، سواء في سورية أو خارجها، في لبنان أو في أوروبا، أينما كان، المهم أن يبقى العمل المسرحي جارياً في ظل الظروف الصعبة التي تمر على الجميع من دون استثناء.


مضر الحجي: لماذا المسرح؟

في نصه "عندما تبكي فرح"، يسائل الكاتب المسرحي مضر الحجي المفاهيم الثورية التي نادت بها الثورة السورية، مختبراً أثرها على شخصياته، مثلما اختبر اللغة في نصه الجديد "حبك نار". يؤكد "الحجي" ضرورة التمهل قبل تقييم أثر سنين النار على المسرح السوري "لكننا نستطيع رصد إشارات معينة في طريقها إلى أن تغدو أكثر وضوحا مع الزمن، وبالتالي أكثر قابلية للتقييم، لكن واحدا من أهم المستجدات التي حضرت في المشهد المسرحي السوري – إن جاز لنا أن نسميه مشهدا – هو سؤال المعنى، لماذا المسرح؟ أعتقد أن السؤال حاضر في ذهن أي مسرحي سوري محترف وإن تباينت الأشكال في تمظهرات السؤال أو طرق الإجابة عنه، وبعد أن تجاوز معظمنا الجواب التقليدي: "أنا أعمل في المسرح لأنني فنان مسرحي، وهذه هي مهارتي أو حرفتي في الحياة" فقد بدأ البحث الجدي العميق في إجابات أخرى أكثر عمقاً وأكثر أثراً على الشكل المسرحي وعلى المضمون أيضاً. وهنا تكمن أهمية سؤال من هذا النوع، إذ إنه ينعكس بالضرورة على المنتج المسرحي، خاصة أنه يحيل في بعض جوانبه إلى حضور المتلقي في العملية المسرحية كعنصر بات اليوم أكثر وعياً وذكاء وقدرة على قراءة المنتج المسرحي، وربما كان التحول في شخصية المتلقي المحرك الأكبر لكل التحولات في ما سميناه المشهد المسرحي السوري، متلقٍ لا يكتفي اليوم بالذهاب إلى المسرح، إنه أكثر قدرة على طرح سؤال، لماذا أذهب إلى المسرح؟ ما الذي انتظره منه؟ ما الذي يمكن أن أجده على الخشبة لا أستطيع أن أجده على شاشة التلفزيون أو في وسائل التواصل الاجتماعي؟ ومن هذا المنطلق أعتقد أننا بدأنا بالتفكير بالمتلقي بطريقة مختلفة عما كانت عليه من قبل، وربما التفكير بمكان مختلف كليا للمسرح في حياتنا.

في كل مرة أفكر فيها في موضوع تحولات المسرح السوري، أجد نفسي وبشكل تلقائي أفكر في إشكالية اللغة في المسرح- على سبيل المثال- كنت لفترة طويلة مضت أكتب نصوصي باللغة العربية الفصحى، و كنت أعزو الأمر إلى قدرة الفصحى الأعلى على التعبير، لكن مجمل ما ذكرته مسبقاً دفعني للتفكير بشكل مختلف باللغة، وربما ارتبط الأمر بالعلاقة مع المتلقي الذي غدا بالنسبة لي أكثر أهمية، وخضت تجربة اللغة العامية في نصي الأخير "حبك نار" بالنسبة لي كان الأمر بمثابة التحدي الفني الذي أستطيع القول إنني سعيد بخوض غماره، كيف للغة العامية أن تكون حاملاً للدراما وأن تحافظ على التوازن بين الواقعية والشعرية وأن تتفادى الوقوع في الثرثرة في الوقت ذاته. أعتقد أن سؤال اللغة وإن كان يتعاطى مع الشكل المسرحي، إلا أنه أثر بشكل كبير وعميق في المحتوى، وأتحدث هنا أيضاً عن تجربتي في نص "حبك نار".

 
 

المسرح السوري في سنين الجمر (2-2)

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الخميس, 06 تموز/يوليو 2017 18:06

المسرح السوري في سنين الجمر (2-2)

هل كتب السوريون تراجيديتهم؟


صورة من مسرحية: من أجل نعم من أجل لا.. إخراج مجد فضة 2014

بقلم علاء الدين العالم

خير ما تسمى به الحالة السورية، هو "تراجيديا إنسانية"، تراجيديا بكامل عناصرها المأساوية، وضعت الجميع أمام أسئلة جذرية عن الهوية والمجتمع والحرية، وفرضت واقعاً مشتعلاً يكوي كل من يقاربه. من هنا، وكغيره من المجالات الاجتماعية، وجد الفن نفسه أمام واقعٍ قاسٍ وزاخر بالأحداث، هرولت السينما نحو توثيق اللحظة الراهنة، وفتحت السردية السورية الكبرى الأدب على مصراعيه أمام أناس متعطشين للبوح، ماتت فنون أو تكاد، وأحييت أخرى، ولكن، ماذا عن المسرح السوري في هذه التراجيديا؟ وقبل ذلك، علامَ يدلل تركيب "المسرح السوري"؟ هل يقتصر على المسرح المُقدم في سورية تحت ظروف قاسية جداً، أم أنه يتسع ليشمل المسرحيين السوريين المتفرقين في أصقاع الأرض؟ وإذا كان المسرح عامة ــ والسوري على وجه الخصوص ــ محكوماً قبل أعوام "بالأمل" فهل هو اليوم محكومٌ بالعمل؟ في ظل هذا التوسع لمفهوم المسرح السوري، لم يعد ممكناً لمقالٍ نظري ــ مهما اتسع ــ أن يحيط بحال المسرح السوري في ظل الانفجار الذي تشهده سورية اليوم، لذلك سعت "ضفة ثالثة" إلى نقل حال المسرح السوري اليوم على لسان فاعليه الذين تحدثوا عن أثر الحالة السورية على المسرح، هل عاد الزخم الحاصل بالإيجاب على المسرح السوري أم لا؟ وكيف تم ذلك؟ هنا الحلقة الثانية والأخيرة:


وسيم الشرقي: المسرح فن جماعي يتطلب بدءاً أمناً واستقراراً

عمل وسيم الشرقي كدرامتورج لأكثر من عرض مسرحي، و قدم في دمشق سابقاً قراءات مسرحية من مسرحيات سورية معاصرة، عن الانفجار السوري وأثره على المسرح يقول:

بداية لا بدّ من التذكّر أنّ المسرح فنّ يحمل الجانب الإنتاجي منه أهميّة أساسيّة، فهو فنّ جماعي يتطلّب بدءاً أمناً واستقراراً وبنية تحتيّة تؤمّن اجتماع الناس وتقديم العرض المسرحي لهم، باعتبار أن العرض المسرحي بحضور الجمهور هو الهدف الأعلى لأيّ عمليّة مسرحيّة. بناءً على ذلك لا يمكن القول إنّ النتائج المترتّبة على الثورة السوريّة قد أحدثت نقلة إيجابيّة على المسرح داخل سورية من جهة ازدهار عروض المسرح وازديادها كمياً، ذلك لأنّ الغالبية العظمى من المناطق تعيش انعداماً للأمن والاستقرار، وأساسيّات الحياة المدنيّة.

ولكن لا بدّ أيضاً من استيعاب الحقيقة الجديدة المشكّلة لعالم السوريّين اليوم، والمتمثّلة في توزّع عدد كبير من السوريّين على دول اللّجوء، وأينما حلّ السوريّون بكثافة اليوم فإنّ وجودهم يشكّل حاجة لتعبير ثقافي عنهم بالعلاقة مع المجتمعات الأخرى، ويقدّم متعة ومحاولة لفهم العالم بالعلاقة مع السوريّين أنفسهم. في تلك المساحة، من الممكن القول إنّ عدداً لا بأس به من المحاولات المسرحيّة السوريّة، أو السوريّة-الأجنبيّة المشتركة قد قامت لتستهدف مجتمعات اللاجئين السوريّين، أو لتستهدف جمهور الدول المضيفة للتعريف بالوضع السوري، ووضع اللاجئين...إلخ.

على المستوى الشخصي أستطيع القول إنّ العلاقة مع المسرح بعد انطلاقة الثورة السوريّة كانت من موقع "مرن" و متأقلم مع الظرف المتاح. فكانت علاقة إنتاج مسرحي مباشر وتقديم للعروض أمام الجمهور الحي من خلال مساحة الدراماتورجيا حين كان الأمر متاحاً، أي حين كنت مقيماً في دمشق التي تسمح توازنات آليات الإنتاج المسرحي فيها بخلق نوع من المسرح المستقل الذي لا يمثّل التطلّع السلطوي ويحاول أن يشذّ عنه.

أمّا اليوم نتيجة إقامتي في تركيّا فإنّ مساحة إنتاج مسرح سوري، أو سوري-تركيّ مشترك هي أكثر تعقيداً وتتطلّب الإجابة على عدد أكبر من الأسئلة السياسيّة والثقافيّة واللوجستيّة قبل القدرة على إنجاز أيّ مشروع جدّي ومحترم، ناهيك عن الكون جزءاً من المشهد المسرحي التركي الذي يعاني مشاكله الذاتيّة أيضاً. محاولة إنتاج مسرح ممتع ومجد هنا تبدو أكثر تعقيداً وإن كانت غير مستحيلة بالتأكيد.

بالعودة إلى الموقع الشخصي "المرن" أنهيت مؤخراً العمل على نص مسرحي سينشر قريباً كجزء من ورشة "الكتابة للخشبة" مع مؤسّسة "مواطنون فنّانون" وهي تجربتي الأولى للكتابة المسرحيّة خارج سورية، والتي تحمل بالنسبة لي كلّ تعقيدات وأسئلة الجدوى من الكتابة أو النشاط المسرحي مع كلّ هذا البعد عن البلاد، ومع تعاسة ما تعانيه البلاد نفسها. والأمر ذاته (أي كتابة نص مسرحي) ينطبق أيضاً على الكتابة النقديّة، أو الترجمة، أو أيّ عمل مسرحي آخر. يحاول أن يشكّل جزءاً من المشهد المسرحي السوري، في لحظة ضبابية لا يمكن التكهّن معها بشكل أي شيء سوري في المستقبل القريب، أو البعيد.

بالمحصّلة أشعر بأنّ الحراك السوري أثّر بشكل إيجابي على جرأتنا وفهمنا لأنفسنا وبلدنا والعالم المحيط بنا. كما أثّر بشكل سلبي على حياتنا وقدرتنا على الإنتاج والمراكمة. لكنّ قناعتي الشخصيّة أنّه أياً كانت النتائج الماديّة للحراك، لا يجب أن تكون المقاربة له متعلّقة بالندم وتقييم الأمور بالسلب والإيجاب. المحاكمة والوقوف مع الذات مهمّة بالتأكيد، ولكن فقط لفهم الوضع الجديد والتأقلم معه، والمراكمة عليه بعيداً عن اليأس، أو العدميّة.


وائل قدور: أين تكمن القيمة المضافة للفن؟

قُدّم نص وائل قدور "خارج السيطرة" كمشروع تخرج لطلاب السنة الرابعة تمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية 2014، ويعمل اليوم على نص جديد تحت عنوان "وقائع مدينة لا نعرفها"، بالإضافة لعمله على عرض مسرحي بعنوان "الاعتراف". يقول قدور عن حال المسرح السوري اليوم:

لا أدعي اطلاعي على كامل الإنتاجات المسرحية السورية التي واكبت حدث الثورة السورية. تسنّى لي حضور بعض العروض بصورة مباشرة في الأردن وفرنسا، فضلاً عن قراءة بعض النصوص المسرحية التي كُتبت خلال السنوات الست الماضية. إضافة إلى انخراطي في مشاريع كتابة وإخراج متفرقة، وبالتالي أضع رأيي في إطار مجتزأ ومحصور بحالتي الشخصية.

اتسمت بعض النصوص والعروض المسرحية التي واكبت الحدث السوري بالمباشرة والانفعالية، مما أدى إلى عروض عابرة سريعة النسيان. تجارب أخرى حاولت تجنّب المعالجة السياسية وركّزت على الجانب الإنساني من الحالة السورية فتناولت موضوعات عامة حول الغياب، الرحيل والذاكرة. وهناك بعض العروض تجاهلت الوضع الراهن كلياً.

برز لدي سؤال هام: كيف يمكن كتابة وإخراج أعمال مسرحية معاصرة ذات قيمة فنية عالية وقريبة من الحدث اليومي المُعاش؟ عروضٌ تلامس الحدث اليومي المُعاش من جهة وتدرك الشرط الاجتماعي والسياسي العام للبلد وللمنطقة ككل من جهة ثانية. عروضٌ لا تقع في فخ المباشرة ولكنها لا تبتعد عن نبض الشارع. عروضٌ تعي السياقات الثقافية والاجتماعية الكبرى ولكنها في الوقت نفسه لا تتعالى على المتلقي وتحلّق بعيداً عن اهتمامات الناس.

كشفت العروض والنصوص المسرحية المرافقة لأحداث الثورة في سورية عن حجم الاحتياج إلى الرؤية الإخراجية الشاملة المصحوبة بالاشتغال الدراماتورجي العميق.

قد لا يمكننا اليوم امتلاك إجابة شافية وشاملة تفيد بحجم استفادة أو عدم استفادة الإنتاجات المسرحية السورية، نصاً وعرضاً، من الثورة. ربما يمكننا الحديث اليوم عن ملامح عامة قد تقودنا، عبر البحث والمراقبة، إلى تحديد سمات أو توجهات أكثر وضوحاً.

أعتقد أن بعض المسرحيين أعادوا استخدام أدواتهم القديمة بمحتوى جديد، الأمر الذي قد لا يفضي في الوقت الراهن إلى نتاجات ذات جودة عالية، ولكنه يضعنا بالضرورة في سياق إعادة اختبار وتجريب ومساءلة الأدوات والقوالب السابقة.

يرفد هذه المسألة الانخراط المحدود حيناً والواسع أحياناً للمسرحيين السوريين في تجارب البلدان المجاورة وأوروبا سواء من خلال العمل مع فنانين مختلفي التجارب والسياقات ضمن إنتاجات فنية جديدة أو من خلال التحاق عدد من المسرحيين بجامعات ومدارس أكاديمية، وفي كلا الحالتين ينبغي للنتائج القادمة أن تكون إيجابية.

ولكن، في الوقت نفسه، عانى المسرحي السوري، ولا يزال، من شروط اللجوء القاسية خارج سورية، ومن شروط المعيشة التي لا تقل قسوة داخل سورية. وهو ما يحول دون تطور مهني أو ممارسة تراكمية أو هامش واسع في الخيارات.

تفعيل الشاهد كوثيقة درامية بات حاضراً في بعض التجارب المسرحية. الأمر الذي يُعد إيجابياً ولكنه يفتح باب النقاش واسعاً أمام شروط ومعايير استخدام الشهادات الحية في المسرح. كيف نتجنب نسخ الواقع عبر الشاهد؟ ما هي حدود الخصوصية؟ وأين تكمن القيمة المضافة للفن؟ (النقاش نفسه يتكرر في السينما الوثائقية السورية)".

أسامة حلال: ما هو دوري كمسرحي تجاه ما يحدث؟

أصبح لفرقة "كون" المسرحية السورية مكاناً ثابتاً لها في بيروت، حيث دأب مديرها المخرج أسامة حلال على تأمين مساحة يعمل فيها وفرقته، يؤكد حلال أن السؤال لأهم هو: "لماذا أعمل في المسرح، ما الجدوى من ذلك قبل الحراك وبعد الحراك؟"، قبل الحراك كان بحثي في المسرح جمالياً، عملت مع المراكز الثقافية الأجنبية في سورية كي أتمكن من العرض في الشارع أو خارج الأماكن والبنى التقليدية للمسرح في سورية، وقدمت معهم عروضاً على سطح بناء، وفي نفق مشاة، وكان همي آنذاك هو أنني لا أريد التعامل المباشر مع المؤسسات الحكومية السورية عموماً، ومديرية المسرح والموسيقى خصوصاً، وربما أنا من القلائل الذين لم تنتج لهم مديرية المسارح أي عمل، ولكن بالطبع عرضت على خشبات المسارح لكن دون الإنتاج. قبل الحراك، لم يكن ممكنا التفكير في الحرية السياسية والفكرية في المسرح، لذلك التفتّ وقتها للشكل الجمالي للعرض المسرحي، ورفضت كل الأشكال المسرحية السورية المكرسة آنذاك، وهي التي تنحصر في ثنائية (الممثل والنص)، ونشدت أشكال فرجة مسرحية جديدة تعنى بالشكل بقدر عنايتها بالمضمون.

أول الأسئلة الكبرى التي واجهتني مع بداية الثورة السورية هي: ما هو دوري كمسرحي تجاه ما يحدث؟ أحيانا شعرت أن المسرح ترف في الزخم المحيط به، لكن فيما بعد استنتجت أهمية المسرح كفن فاعل في المجتمع، قيمته تأتي من قدرته على تقديم أفعال رمزية تحمل اعتراضات على الواقع. من هنا، أعدت تقديم عرض "جثة على الرصيف" في دار الأوبرا عام 2011، وهو ما أثار حينها قلقاً حقيقياً، وبعدها قدمت عرض "سيلوفان" إذ قيل لي بعد تقديمه أنه غير مرحب بي في العمل المسرحي في سورية، وذلك لأني حينما قدمت عرض سيلوفان كنت أقوم بفعل اعتراض حالي حال المتظاهر الرافض للظلم. لذلك، تابعت عملي المسرحي بالرغم من خروجي إلى لبنان، وعندما أجد أن هناك من يراهن بروحه من أجل عرض مسرحي، فذلك يعني أن المسرح فن ضروري وليس نافل اليوم.

اليوم في بيروت، حيث أصبح لفرفة كون مكان ثابت للتدريب، لم نصل إلى ما وصلنا إليه لولا الثورة السورية لأنها أكدت لنا أهمية وضرورة فعل المسرح، وذلك من خلال تجربتي وتجربة المجموعة. بعبارة أخرى، الثورة دفعتني لتحويل العملية الإبداعية الفنية لحالة جمعية أشاركها مع الجمهور، فلم يعد العرض رأياً فردياً، بل هو سؤال ونقاش بين الجمهور، وهذا لم نتعلمه بالدراسة الأكاديمية بل بالتجربة، وبتجربة المسرح في الثورة تحديداً، فالحراك حرك طاقات وأدمغة الشباب بغض النظر عن تقييم المنتج. اليوم في فرقة كون هناك السوري والفلسطيني واللبناني والفرنسي، ما الذي جمع هؤلاء؟ جمعهم حبهم وحاجتهم  للمسرح وأسئلة أعضائه المشتركة حول الهوية والحرية. لذلك أجد أن السؤال الحاضر اليوم هو سؤال جدوى "لماذا أشتغل في المسرح" وليس سؤال كيفية: "كيف سأعمل في المسرح؟".

رغم إمكانية العمل في التلفزيون وما يحمله من استقرار اقتصادي للممثل، بيد أني آثرت العمل في المسرح، راهنت على ذلك، قدمت عروضاً قبل الثورة وبعدها، منها ما قدمته كما هو لكن التلقي كان مختلف بين حقبتين، وأقصد بالحديث هنا عرض "جثة على الرصيف" الذي قدمته قبل الثورة وأعدت تقديمه بعدها. برأي الثورة رتبت أدواتي كمسرحي وطورتها وأعطتني المعنى لعملي كفنان  ــ كما حال باقي المهن التي تطورت مع الثورة ــ وأثارت لي كماً هائلاً من التساؤلات التي كانت غائبة عن كل بيئة محيطة بي قبل الثورة بداية بمنزلي ونهاية بمكان دراستي.

زبدة القول، الثورة لم تحطم أصناما سياسية وحسب بل حطمت أصناما فنية أيضاً وحركت الواقع العربي كاملاً بعد فترة سكون وسبات.


نغم ناعسة: استطعنا أن نكثف آلامنا ومآسينا

تدير نغم ناعسة اليوم مركز "ستيج آرت" الفني في دمشق، وكانت قد أعدت قبلاً ورشات لإعداد الممثل، عن صعوبات العمل المسرحي في دمشق وهل أثرت الحرب على المسرح بالإيجاب تقول ناعسة:

لو كانت  إجابتي بنعم فقط فأنا أكذب، وبالمقابل لو كانت (لا) فانا أكذب أيضا، هي (نعم ولا) بنفس الوقت، نعم أثر الحراك: لأننا استطعنا أن نكثف آلامنا ومآسينا الحقيقية والتراجيدية في (موسيقانا ومسرحنا وأفلامنا) أي بفننا بشكل عام، عبر تراكم سنين الحرب من خلال أعيننا التي هي (معرفة) الحياة.. وإذا قلت لك إننا نحن الأفلام والأساطير بحد ذاتها لمجرد النظر إلى وجوهنا فردا فردا.. فحتما ستكون الإجابة  بـ نعم وله أثر كبير جدا.

المسارح اليوم في كل بقاع البلاد تضررت، مما أثر على التواصل الفني والمسرحي بين الشباب فلا مهرجانات ولا احتفالات ولا تبادل ثقافي من خلال محاضرات وورشات عمل، وغدت دمشق المدينة الوحيدة التي تنتج عروضا خلال العام ولو كانت أقل من عدد أصابع يديك.. وبقيه المحافظات كما تعرف بحرب وبدونها (لا مسرح لمن ينادي)، وأصبح الاعتماد على الاجتهاد الشخصي أو التمويل من قبل جمعيات وجهات تعنى بالمسرح.. مما ساعد الكثير من الشباب السوريين على إنتاج مسرحيات لها قيمه فنيه خلال الحرب خلقت لديهم شعورا بالبقاء لمجرد إحساسهم بالإنتاج.

أما عن إجابتي بـ( لا) فلم تؤثر فلأن طاقات الشباب مهدورة بحرب وبدونها، وكان الدعم محصورا بفلان وعلتان، مخرج واحد ،عدة ممثلين، وهكذا، وأنا من الأشخاص الذين لم يعملوا كثيرا  بسبب هذه الفكرة(سيطرة الشللية على كل مجالات الفن قبل الحرب) فما بالك بعدها.

لذلك اخترت عزلتي في مركز ستيج أرت أنا وشركائي وفريق العمل الذي يرى الفن من جانبه الإنساني والفكري.. والذين يعملون بضمير وينتجون بضمير.. لذلك النتائج التي حققناها خلال فتره قصيرة كانت مبهرة على الصعيد الفني والأكاديمي رغم كل الصعوبات.. وهذا إن كان له أثر كبير.. فالأهم أثره على الناس الذين ليس لديهم القدرة على مغادره البلاد.. ولهم الحق في أن نكون.. ويكونوا.. ليكون هناك وطن..

أثر أي مركز ثقافي اليوم في معمعة هذه الحرب هو وصول هذه المراكز إلى تغيير عقلية الناس وكسر روتينهم والأهم تعليمهم الفن الراقي والهادف.. وتغيير وجهة نظرهم تجاه الفن.


عمر جباعي: المسرح وسيلة رائعة للتعبير عن الذات

قدم المخرج المسرحي عمر جباعي عروضاً عدة في دمشق وبيروت، لم يجب جباعي بالفصحى، بل اختار العامية للتعبير عن حال المسرح السوري اليوم، فقال:

أنا ضد السؤال من أساس، شو أساسو السؤال؟ هاد كمان سؤال، بعدين بدنا نقرر هل هو: انفجار سوري عاد على الفن والأدب وغيره بالزخم؟ ولا حراك سوري أثر بالإيجاب... إلخ؟ إنفجار ولا حراك؟

طيب الحالة السورية شو يعني؟ رح افترض إني بعرف شو يعني، إيه ساعتها بصير بدي إسألك وإسأل حالي إنو هي كانت فودفيل واستحالت لتراجيديا؟ ولا هي تراجيديا أصلاً بس الآن لقلع أوديب عيونه؟

مسرح سوري؟!! هي بدعة! ممكن يكون في غول وعنقاء وخل وفي، بس مسرح سوري؟!! مسرح الحمرا مثلاً؟ الأوبرا؟ ولا مسرح المركز الثقافي العربي بجوبر قصدك؟ مسرح سوري متل مثلاً لما نقول المسرح الأوروبي أو هيك شي قصدك؟ فهمت، بس ما في مسرح سوري متل هيك. في هالكم واحد اللي ممتهنين المسرح، ويلي قلال ومشرذمين جغرافياً وفكرياً وفنياً ونفسياً لدرجة إنو ما في تراكم مسرحي بهالبقعة من العالم يخلينا نقول عنو: مسرح سوري، وهاد التشرذم كان قبل الحراك/الانفجار/الأزمة/المنعطف وزاد بعدها. الحكي بالسياسة لا بل الحكي عن حافظ الأسد شخصياً ما بخوف قد الحكي بهالقصة. لأنو متل يلي عم يفرك الجرح بالملح..

ليش عم اشتغل مسرح؟ ليش مصر اشتغل مسرح؟ بيغلط الإنسان، هيك طبيعتو، وما في مهنة تانية بين إيديي، هي من جهة، من جهة تانية، في حلم قديم كان يداعب شغلات فيني إنو المسرح يجي لعند الجمهور بدل ما الجمهور يجي عالمسرح، إني أعمل مسرح جماهيري، يعني الصالة تكون كومبليه كل الوقت، والمسرح يصير جزء من حياة الناس، هاد الحلم وحدة من الشغلات القليلة جداً اللي بتعطي معنى لحياتي، وكتير صعب _ ويمكن مدعاة للانتحار حتى _ إني صير بلا حلم، مع إنو الله وكيلك ما عم إشتغل عليه بليرة. وطبعاً كمان صعب كتير إبتكار حلم بديل، خاصة إنو المسرح وسيلة رائعة للتعبير عن الذات، ما بتشبه أي وسيلة تعبير أخرى.

 
 

غابرييل فير: مصوّر السلطان

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

تاريخ آخر تحديث: الخميس, 06 تموز/يوليو 2017 10:54 الإثنين, 03 تموز/يوليو 2017 11:18

غابرييل فير: مصوّر السلطان

بقلم فريد الزاهي

يدين المغرب لغابرييل فير (1871-1936) بكونه أحد صناع الحداثة التقنية والبصرية بالمغرب، في وقت كان فيه هذا البلد يودع القرن التاسع عشر وكأنه يخرج من عنق زجاجة القرون الوسطى. إنه مهندس فرنسي لا علاقة له بالاستعمار، واستقراره بالمغرب جاء بمحض سلسلة من الصدف التي جعلته في نهاية المطاف يحظى بأن يكون مرشد السلطان مولاي عبد العزيز إلى الحداثة منذ 1901. صحيح أن هذه الحداثة عاشها السلطان مولاي الحسن قبله، حين أرسل ببعثة إلى أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر لتعلم تقنيات صنع الأسلحة وغيرها، غير أنها حداثة صارت معطوبة حين لم يتم تشغيل هؤلاء المهندسين المتعلمين في صنع التقدم التقني بالمغرب، الذي ظلّ بأيدي القوات الغربية المتآلبة على استعمار هذا المغرب المجهول، المنغلق على نفسه منذ قرون.

 

مصوّرٌ للسلطان

 

كانت رغبة السلطان اليافع مولاي عبد العزيز في تملك التقنيات الغربية الجديدة عارمة بحيث حاول تعلم الرسم، غير أنه لم يستسغ هذا الفن المحاكاتي، فتركه لتعلم التصوير الفوتوغرافي.  وكان قد بعث إلى بريطانيا لاستجلاب مختلف آلات التصوير وغيرها والبحث عن معلم له في هذه التقنيات الجديدة. غير أن انتظاره طال، فعلم غابرييل فيرْ بالأمر، هو الذي جال في رحلاته بلدانًا كثيرة من المعمورة مستعدا للمغامرة: "ووجدتُني أحدّث نفسي: ولمَ لا أكون أنا ذلك المهندس؟ كانت تلك فرصة مواتية لأتعرّف على هذا البلد الجديد، الأشد إلغازًا وغموضًا من جميع البلدان التي عرفتها إلى ذلك الحين، و لأزيد من توسيع نطاق علاقاتي. ولذلك وضعت ترشيحي لتلك المهمة. وتمّ لي القبول. فحزمت أمتعتي نحو المغرب. كان ذلك في مستهل عام 1901".

 

قبل أن تطأ قدَما الرجل أرض المغرب، و يستقبله السلطان بحفاوة، ويقبلَ منه أن يحافظ على زيّه الغربي، كان قد أتقن فن الفوتوغرافيا والسينيماتوغراف، وخطف اهتمام الأخوين لوميير مكتشفيْ السينما. ففي 1898، التقى بالأخوين لوميير واشتغل معهما عارضًا على الشاشة. فقد كان حبه للتقنية وشغفه بالآلات الخيالية الجديدة كبيرًا، بحيث تعلّم منهما اكتشاف اللون في الصورة. بل إنه اشتغل معهما مروجًا لتقنية الألوان الثلاثية. فدار حول العالم وزار كوبا وكندا والهند الصينية واليابان، قبل أن يضع حدًا لمهنة العارض والمروج ويصبح مصوّر السلطان مولاي عبد العزيز ومستشاره التقني.

 

سلطان عاشق للتصوير

بعد أن اقتنع السلطان بعدم رغبته في تعلّم الرسم، والإحباط الذي أصابه من فشله فيه، انصرف إلى تعلم التصوير الفوتوغرافي، الذي ما لبث أن حذق فيه، حذقه في تعلم البلْياردو، وكرة المضرب وركوب الدراجة الهوائية والبخارية. بل إنه من شغفه بذلك، طلب أن تُصنع له آلة فوتوغرافية خاصة به. "ما عاد السلطان يقتنع بالتصوير العادي، وهو في حدّ ذاته تصوير شديد التعقيد... ولذلك عندما سمع عن التصوير الملون، رغب كذلك في مزاولته. فلقَّنتُه الطريقة لالتقاط الصور بثلاثة ألوان، حتى أتقنها، وأخذ يقضي نهاراته الطويلة داخل حريمه يصور نساءه".

 

صور السلطان نساء مغربيات في حياتهن الحقيقية، عكس الصور الاستشراقية والبطاقات البريدية المتداولة في عصره، والتي كان أصحابها يلجؤون للغانيات من اليهوديات ثم من المسلمات لتطويعهن لوضعية الغانية المشهورة آنذاك. "كان يجعلهن يتزييْن بأجمل حليهن وقلائدهن و أساورهن وقبعاتهن، ويجعلهن أمام خلفيات فاقعة الألوان، ويضع حولهن فوق الطاولة زهورًا اصطناعية ملونة، ويسعى في الأخير أن ينْجز صورًا بأكثر ما يستطيع من الألوان. وكان كثيرًا ما يحصل على صور جميلة جدًا. وهذه الصور تطلعنا على الأثيرات لديه من النساء". وبعض هذه الصور موجودة في متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر بالرباط.

 

أدى عشق مولاي عبد العزيز للتقنيات الأوروبية إلى حد أنه صنع لنفسه سكة حديد، وحاول الجمع بين المهام السياسية وشغفه بكل ما اقتناه من مميزات الحضارة الغربية. فقد تعلم أيضًا قيادة السيارة، وسعى إلى أن يكون ذلك جانبًا يخفف عنه عبء سياسة كان يمارسها عوَضًا عنه وزيره الأول ووزير الحربية، في وقت كانت فيه أطماع ألمانيا وفرنسا تكبر لتطويع المغرب.

 

وقد أكد غابرييل فير أن السلطان لم يكن يتعامل معه كتابع بل كمرشد ومعلم. وفي هذه المعايشة لاحظ المعلِّم أن تلميذه "كان يعمل دومًا على مقاسمة نسائه ما يتعلمه من تقنيات، في وقت كانت المرأة فيه تعتبر شيئا نافلاً وزينة لا أكثر. فقد علمهن التصوير وأتقن تعليمه ذاك، كما لو كان برهانًا على تملُّكه له. وأمر معلّمه أن يعرض عليهن من وراء حجاب فيلمًا عن باريس، كما لو كان يمنحهن رحلة خيالية إلى بلاد الآخر".

 

في ما وراء الغرابة والنظرة الكولونيالية

حين تآلب العلماء والأعيان على السلطان الشاب وعزلوه لصالح أخيه مولاي حفيظ سنة 1908، متهمين إياه باللهو وتبذير أموال الخزينة، لم يفعل غابرييل فير ما فعله غيره من الذين جمعوا ثروة كبرى بالعمل مع السلاطين المغاربة ليعودوا بعدها لبلدانهم. فقد استقر في الدار البيضاء، خصوصاً أن زوجته توفيت وهي تضع ابنتهما الوحيدة. وانساق مع حسه التجاري، فأنشأ المعامل والمصانع واهتم في ضيعته بتربية النعام، وكأنه بذلك كان يودع المهنة التي جاءت به للبلاد. غير أنه سنوات قليلة قبل وفاته، حين أدرك عمق التحولات التشويهية التي أدخلتها "الحضارة الاستعمارية" الفرنسية للمغرب، استيقظت فيه الرغبة في التصوير مجدَّدا، وعاد لصبابته الأولى، متنقلاً بين المدن التي عاش فيها مع السلطان. فترك لنا مناظر طبيعية و بورتريهات تختلف جذريًا عن النظرة التي تركها التصوير الكولونيالي. وفي هذه البورتريهات، كان يلتقط الوجوه في عفويتها، غير أنه يصر على الإمساك بها في لحظة حوار وتجاوب حين تلتقي عينه بعيونها. لم يكن مرمى غابرييل فير من وراء ذلك أبدًا إثبات مؤهلاته الفنية، فهو لم يعتبر نفسه أبدًا فنانًا، وتواضعه جعله يمارس ذلك من باب الضرورة الأنطولوجية والشخصية لا غير. إنها سلسلة صور تلتقط الواقع المنفلت، لا من منطق النظرة الغرائبية، فهو كان يعرف المغرب جيدًا، إذ خبره لمدة أربعة عقود، وإنما من منطق "جمالية العادي" كما نظَّر لها معاصره الرحالة فكتور سيغالين.

 

هذه الجمالية تمتلك خفة الروح، وتمتح منظورها من المعطيات اللحظية التي تتيحها وضعية الشخصيات، حين تمنح نفسها لعين المصور. إنها جمالية معاصرة غير مثقلة بإيديولوجيا الغيرية والاختلاف المتوحش الذي يجعل من الآخر موضوعًا لا ذاتًا. وهي من ثَمَّ جمالية معاصرة ترتحل من موقع الآخر لتعانق العمق الوجودي لموضوعاتها وللأرض التي تحتويها. ويحق لنا هنا أن نعتبر هذا المصور من القلائل الذي ينتمون بشكل ضمني لتاريخ الحداثة المغربية، لا باعتبارها عنفًا تقنيًا وبصريًا وسياسيًا، ولكن باعتبارها نتاج تآلف بين رغبتين تتفاعلان لتصنعا أفقًا جديدًا نحن اليوم لسنا سوى نتاج له.


 
 

الصفحة 1 من 14

Nous contacter

Adresse :
B.P : 16113 - Casablanca Principale. Royaume du Maroc
E-mail :
theatretafukt@gmail.com
tafoukt.production@gmail.com
bouichou@gmail.com
Téléphone :
(+212) 669279582 - 667313882
Siège Social de Théâtre Tafoukt :
Complexe Educatif Hassan II Pour La Jeunes - Casablanca / Maroc

تابعنا على Facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع الحقوق محفوظة لـ : فضاء تافوكت للإبداع - مجلة فنية تصدرها مؤسسة تافوكت للإنتاج الفني
Casablanca - Maroc © 2012 - 2017 www.tafukt.com