Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
أخبار - منوعات - إصدارات : تهويد القدس في مسرحيات الأطفال - السبت, 19 كانون2/يناير 2019 18:29
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: تتويج ” الطوق والأسورة” بالقاهرة - الخميس, 17 كانون2/يناير 2019 18:15
مسرح - الفنون الدرامية: هواة غيروا تاريخ المسرح - السبت, 19 كانون2/يناير 2019 17:58
أخبار - منوعات - إصدارات : موازين: موعد دورة 2019 - السبت, 19 كانون2/يناير 2019 17:46
مختارات - كتابات - مواضيع: تصور التجمع العالمي الأمازيغي - السبت, 19 كانون2/يناير 2019 17:33
أخبار - منوعات - إصدارات : وعكة صحية لزهور ‎السليماني - الأحد, 13 كانون2/يناير 2019 17:30
متابعات - تغطيات صحفية: Meilleur film marocain en 2018 - السبت, 19 كانون2/يناير 2019 17:23
بحوث - مقالات - دراسات: التراث في المسرح العربي - السبت, 19 كانون2/يناير 2019 16:29
مسرح - الفنون الدرامية: تكريم هامات مسرحية مصرية - السبت, 12 كانون2/يناير 2019 13:18
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: وليلي أفضل فيلم مغربي ل 2018 - الأحد, 13 كانون2/يناير 2019 11:49
Blue Grey Red
بحوث - مقالات - دراسات

التراث في المسرح العربي

السبت, 19 كانون2/يناير 2019 16:29

التراث في المسرح العربي

بقلم الأستاذ الباحث عبيد لبروزيين

 

البحث عن قالب مسرحيّ عربيّ، مختلف ومغاير عن مسرح الآخر/ الغرب، أدى إلى ظهور تنظيرات وبيانات تسعى إلى البحث عن هوية المسرح العربي، مسرح يستمد أصالته من التراث، ويحافظ على بعض القوانين الأرسطية للمسرح، يصبو للحفاظ على الكينونة العربية الإسلامية، وفى نفس المسار، يحاول الإجابة عن تساؤلات تتعلق بالقضايا الاجتماعية والحاجة إلى النهضة والتقدم، وفي هذا السياق توالت الأعمال المسرحية، حيث قدم ألفريد فرج "النار والزيتون"، وقدم عبد الرحمن الشرقاوى "وطني عكا"، ومعين بسيسو "ثورة الزنج"، وسعد الدين وهبة "المسامير" و"يا سلام سلم الحيطة بتتكلم" و"رأس العش"، وغيرهم كثير، وهنا نجد، مثلا، أن عبد الرحمان الشرقاوي اتخذ من شخصية الحسين بن علي بطلاً دراميا معبراً عن حرقة الحاضر/المظلم من خلال مسرحيتيه "الحسين ثائراً" و"الحسين شهيداً". لقد كانت شخصية الحسين، شخصية ثائرة، لذلك وجد فيها بعض المسرحيين ضالتهم في معالجة قضايا العصر، فها هو محمد علي الخفاجي يستحضره في "ثانية يجيء الحسين"، ويستحضره محمد عفيفي في "هكذا تكلم الحسين"، إنها رؤية برغماتية لتوظيف التراث في المسرح، برغماتية تستند إلى إيديولوجيا المرحلة التاريخية.

والملاحظ من خلال عناوين هذه المسرحيات، أنها قدمت في سياق تاريخي متأزم، وفي جو مشحون بالغضب إثر الهزائم التي منيت بها الدول العربية، وما يميز شخصياتها أنها متمردة ثائرة، عكس مجمل شخصيات مرحلة التأسيس، كرد فعل لحالة الهزائم التى أصابت المجتمعات العربية فى تلك الفترة العصيبة، إنه تعاط مختلف مع التراث، تعاط يتجاوز ماضي السلطة وحاضرها، وإلى الانتفاضة والثورة على الثقافة الكلاسيكية السائدة، وبالتالي فإنه رفض ضمنيّ للسلطة القائمة، بمفهوم السلطة الواسع، السلطة الإدارية والدينية والثقافية والاقتصادية.. وبهذا النوع من المسرحيات، لم يعد، في نظرنا، التراث محنطا وساكنا، إنه فعل مستمر في الزمان والمكان، وهذا ما منح التراث حيوية و تجددا، غاب في مرحلة الاستعمار، تعاط يجسد أيضا مواجهة الواقع الجديد الذي استفاقت عليه الأمة العربية.

وللحديث عن نزعة تجديد التفاعل بين المسرح والموروث الثقافي، منذ منتصف القرن العشرين، سنبرز ذلك من خلال الاحتفالية والمسرح السياسيّ، مركزين على عبد الكريم برشيد في النظرية الأولى، وسعد الله ونوس في الثانية، لأنهما وظفا التراث من أجل التعامل مع القضايا الاجتماعية، إنها رؤية براغماتية للتراث، تشكل بؤرة لتقاطع التيار السلفي والليبرالي، ومن خلالها طرحت أسئلة على ما يمكن أن يكون عليه المسرح، لذلك دعا رائد الاحتفالية في كتابه الأخير إلى "الاحتفالية المستقبلية".

1 - الاحتفالية: فلسفة التجاذب بين الحاضر والماضي

أولى عبد الكريم برشيد أهمية كبيرة للتراث، سواء على مستوى التنظير أم على مستوى الكتابة الإبداعية، حيث وظفه بأنواعه المختلفة، الإنسانيّ والأدبيّ والشعبيّ والأسطوريّ، لإضفاء نوع من الخصوصية على المسرح العربي والمغربي، إنه صورة أخرى للتأصيل في إطار ثنائية الأنا والآخر، وهو على أي حال، لا ينكر أخذه عن التجربة المسرحية الغربية، وتأثره ببعض تياراتها، الاحتفالية بهذا المعنى، تحقق للأصالة والمعاصرة بشكل من الأشكال، بحث آخر عن هوية المسرح العربي شكلا ومضمونا بالعودة إلى التراث والانفتاح على المسرح الغربي.

تقوم الاحتفالية على استلهام التراث باختلافه وتنوعه، وما يميزها أنها ترى التراث "ذاكرة حية، وفي هذه الذاكرة الجماعية نخبئ إرثنا الثقافي والفكري والفني فيها"1. وإضفاء صفة الحياة على التراث، يقابلها ما كان عليه المسرح في مرحلة التأسيس أو الاستعمار (الموت/ الجماد/ السكون)، وبهذا تميز تعامل عبد الكريم برشيد مع التراث، إنه بحث عن نص غائب من خلال التفاعل بين الحاضر والماضي، نص يعكس رؤية فنية وجمالية تراثية، تستجلي هموم الإنسان البسيط، ففي مسرحيته "ابن الرومي في مدن الصفيح"، فشل النموذج الأول في التعامل مع التراث من خلال شخصية ابن دانيال، الذي اعتلى خشبة المسرح يسرد الحكايات القديمة دون مراعاة المشاهدين، فانشغلوا عنه باللعب، قبل أن تتدخل ابنته دانيازاد، لتنبهه بأن ما يحتاجون إليه هو التطرق لقضايا عصرهم، وسرد هموم الناس، وهو انتقاد صريح للتعامل السلبي مع التراث، أو الرؤية السلفية للتراث التي تغلف الحاضر بالماضي.

إن برشيد في طرحه النظري والإبداعي2، يحاول تأسيس وعي بأهمية التراث في حفظ الهوية الثقافية لشعوب دول العالم الثالث، وهو الفعل الذي بوأ هذه النظرية مكانة كبيرة في العالمين، العربي والإسلامي، خصوصا بعد استشعار خطر العولمة والتثاقف والأسلبة، ومنه، تكون شعرية برشيد مبنية بشكل كبير على التراث، إذ يتضاعف توظيفه فوق خشبة المسرح من منظور سيميائي ليخلق نوعا من الجمالية الأصيلة، المرتبطة بالهوية والخصوصية الثقافية، سواء كان مضمونا أم رقصا أم أغاني شعبية أم أشكالا فرجوية كالحلقة وغيرها، غير أن نظرته للتراث مختلفة بشكل كبير عما كان سائدا، فلا معنى لكل هذا التراث إن لم يكن من أجل التغيير، من أجل تحقيق الممكن.

وبهذا المعنى، أصبحت علاقة الاحتفالية بالتراث علاقة انصهار وتجاذب، حيث يصير المسرحيّ والتراثيّ في قالب احتفالي يرمي الوصول إلى النص الغائب، تجاوز الكائن إلى ما يجب أن يكون، نص فرجوي يحمي خصوصية الشعوب وهويتها من الحداثة المقلدة حسب تعبير طه عبد الرحمان، بل "أكدت العديد من الدراسات الجامعية والنقدية التي أنجزت حول مسرح برشيد، خلال العقود الثلاثة الماضية، أن هذا المسرح قد وجد هويته، ترك للتراث الشعبي، وللتراث العربي المدون، حرية السيطرة على الشكل المسرحي وعلى مضمونه، وذلك خارج شروط اللعبة المسرحية وخارج قوانينها الغربية "الأرسطية" و"البرشتية" فجاءت كتاباته، تراثية الشكل، وتراثية المضمون، احتفالية الاتجاه والرؤى"3، إنها رؤية حداثية تتضمن رؤيته للعالم، تنبني أساسا على علاقة الاحتفالية بالتراث، دافعُها المحافظة على الخصوصية الثقافية، ولكن في ظل الانفتاح على قضايا العصر، إنها رؤية وسط بين التأصيل والمثاقفة، غير أن الركن الأول في تصور برشيد كان محط انتقاد حاد في الدراسات النقدية المسرحية، لكون "المسرح الأوربي الذي اعتمد على ثقافات الشرق مسرحا متوهجا، ولم يتهم بأنه مستلب أو غير طبيعي لأن أوربا تجاوزت الرؤية المرضية للخصوصية، وهي الرؤية التي تسوق لها الاحتفالية بشكل مرضي وهستيري"4. وبالرغم من أننا نرى عكس ما ذهب إليه سعيد الناجي، لأن التراث في الاحتفالية متجدد، خرج من دائرة التحنيط، وأصبح معطى للقراءة والتأويل مستفيدا كما قلنا سابقا من الغرب نفسه، لأن "المسرح الاحتفالي في بحثه عن الخصوصية لم يقطع كل خيوطه مع الغرب، فهو يؤمن بأن الآخر جزء أساسي من مكونات الذات، من هنا كان التمييز بين التبعية وبين التثاقف الفكري والفني"5.

ولعل في رأي سعيد الناجي جانبا من الصواب فيما يتعلق بالتنظير؛ لأن الارتكان إلى التراث والتاريخ والتغني به، بغية الحفاظ على الخصوصية المغربية أو العربية، قد يجعل جيلا أو جيلن يسكنون إلى الماضي، معرضين عن الحاضر والمستقبل، أو يعيشون الحاضر في الماضي، وهنا تكمن خطورة التعامل مع التراث، مما يؤدي إلى تقوقع سلبي على الذات الجماعية، فيجعلها ذلك خارج حركة التاريخ، ولكن، يجب الإشارة إلى اختلاف علاقة الاحتفالية بالتراث على مستوى الإبداع، ذلك أن الدعوات التنظيرية باستلهام التراث جعلت الأمر يبدو وكأنه انغلاق على الذات، في حين كان التراث في الأعمال الإبداعية منفتحا على الواقع وقضايا الإنسان المعاصر، وإلا فماذا يفعل امرؤ القيس في باريس في مسرحية "امرؤ القيس في باريس"؟  ولماذا جاء عبد الكريم برشيد بابن الرومي ليعيش في مدن الصفيح في مسرحيته "ابن الرومي في مدن الصفيح"؟

ومنه نؤكد مرة أخرى أن الاحتفالية في تعاملها مع التراث، قد استطاعت أن تقطع مع التعامل الذي أرسى أسسه المسرحيون في مرحلة الاستعمار، إنها تجعل التراث فعلا حيا على خشبة المسرح، تراث يحتويه الحاضر ولا يحتويه الماضي، لذلك لا يمكن تشكيل صورة عامة حول هذا التجاذب إلا من خلال استحضار التنظير والفعل الإبداعي. وعلى الأقل هذا جانب إلى ما كان يدعو إليه المفكرون العرب في التعامل مع التراث، ومنه يمكن القول إن المسرح العربي بعد النكسة شهد تعاملا مختلفا مع التراث، رؤية ثورية، لكنها اصطدمت بجملة من العراقيل التي قلصت من امتدادها، من بينها مسرحيون ذوو توجهات يسارية، عارضوا التراث في المسرح، وجعلوه غربي الشكل والمضمون.

2 - المسرح السياسي... سعد الله ونوس وإحياء التراث

إن ما يهمنا من حياة سعد الله ونوس المسرحية، هي تلك الفترة التي سافر فيها إلى فرنسا، حيث تكون في معاهدها، وتأثر بثلة من المسرحيين الحداثيين الذين حاولوا تجاوز التقنيات المسرحية الكلاسيكية، أمثال بروتلد برشت وبسكاتور وأنطوان أرطو، وعند عودته إلى سوريا، بدا تأثره واضحا وهو يستمد مضامين مسرحياته من التراث، فمزج في فرجته بين الأصالة والمعاصرة، الأمر الذي يشترك فيه مع عبد الكريم برشيد، وتجلى ذلك بالخصوص في بياناته المنظرة لمسرح عربي، فها هو يطرح سؤالا على المخرج المسرحي الفرنسي جان ماري سيرو: "ماذا كنت تفعل لو أنك في بلد كبلادي حيث لا توجد تقاليد مسرحية، أي نصيحة تقدمها لنا كي نجد مسرحنا؟ فأجاب(سيرو: "ينبغي الانطلاق من كل ما هو حكاية شعبية وتقاليد، وقد وجد دائمًا في التاريخ الإسلامي… فلديكم تراث غني بالنقد الذكي. (جحا) مثلاً هو شخصية لا تستطيع أن تقوم بثورة، لكنه تراث شعبي، استطاع أن يحتفظ عبر قرون طويلة بصفاء الهجوم على مفاسد الإقطاع، فالتراث الشعبي قاعدة جيدة للانطلاق، وهي مليئة بالإمكانيات… بوسعكم أنتم بالذات أن تساعدوا التجربة المسرحية على الخروج من أشكال التجمد التي وصلت إليها أوروبا"6. إنها النصيحة التي عمل بها ونوس، غير أنه مزج بين الانفتاح على الغرب واستلهام التراث، من خلال الأخذ بتقنيات المسرح الغربي، إنها رؤية جديدة لتفاعل المسرح مع المروث الثقافي، رؤية جدلية ماركسية تصبو لمساءلة الماضي، ومد الجسور بينه وبين الحاضر، وهنا تتشكل هوية جديدة، هوية منفتحة على النص الغائب، ما نريد أن يكون عليه المسرح، ما نريد أن يكون عليه المستقبل، وفي رؤيته هذه، لابد من الإشارة إلى أن ونوس قد تأثر ببروتلد برشت وبيسكاتور.

وفي ظل السياق السوسيوثقافي المضطرب بسبب وقع الهزيمة على الشعوب العربية، سيظهر مفهوم تسييس المسرح، حيث أصبح بالنسبة لونوس أداة للتحفيز والمساءلة، فاستمد التراث ليكون عنصرا فاعلا في مسرحه، تراث يغلفه الحاضر ولا يغلفه الماضي، إنها رؤية حداثية للتعامل مع الموروث الثقافي، حيث عمد ونوس لاستلهام المضامين التراثية، الحكايات والأساطير المعروفة، ليس بدافع تسليط الضوء عليها، بل من أجل مناقشتها، ومعالجة قضايا العصر، وعلى هذا الأساس كتب مسرحيته "حفلة سمر من أجل خمسة حزيران"، ومسرحية "الفيل يا ملك الزمان"، و"رأس المملوك جابر"، إنها مسرحيات تستلهم التراث وتجعله معاصرا في طرحه وأدائه فوق الخشبة.

استلهام يختلف في رؤيته عن التوظيف السطحي السائد في فترة الاستعمار، الذي رفضه هو الآخر متأثرا بآراء المفكرين الغربيين والعرب، الذين انتقدوا بحدة التيار السلفي، رفض أن "تكون أشكال الفرجة الشعبية مجرد حلية شكلية، وهي بذاتها ليست ضمانة لأي أصالة، إن ما يؤصل المسرح هو قوله وكيفية القول، وفي سياق هذه العملية المركبة، يمكن أن نستفيد من تاريخنا وأشكال فرجتنا، كعناصر في البنية العضوية للعمل"7.

لقد سعى سعد الله ونوس من خلال مسرحه السياسي إلى مسرح جدلي، مسرح يعري تناقضات المجتمع، ويشكل وعي الطبقات الاجتماعية المضطهدة بواقعها، وهو ما جعل التراث، في مسرحه، وسيلة وليس غاية، إنها رؤية حداثية بامتياز كما يصفها يونس محمد عبد الرحمان عندما يقول بأن "استخدام التراث والأسطورة في المسرح هو رؤية حداثية، وكثيرا ما تكون تقدمية طليعية كمسرحيات صلاح عبد الصبور، الأميرة تنتصر، ومأساة الحلاج، والحسين ثائر لعبد الرحمان الشرقاوي، ومسرحيات سعد الله ونوس، الملك هو الملك، ومغامرة رأس المملوك جابر"8.

لقد استوعب ونوس المادة التراثية، ولم يجعلها تسيطر عليه، بل وظفها للنقد والرفض والسخرية من مفارقات الواقع، وكان يقتضي توجهه هذا أن لا يكون منتقيا للأحداث كما فعل غيره، بل تعرض للأحداث التاريخية المتأزمة في التاريخ العربي، وهو ما يتناسب مع منطقه الجدلي في أعماله المسرحية، إنها كتابة إبداعية نقدية في نفس الوقت، إبداعية بأسلوبها و شعريتها الخاصة، ونقدية لأنها تنتقد مظاهر انحلال المجتمع وتناقضاته، والتطرق للقضايا المؤرقة للإنسان العربي من هزائم وتراجع على مختلف المستويات، لذلك سيعتمد أساليب تغريبية تراثية مثل الحكواتي الذي يكسر الجدار الرابع لمخاطبة الجمهور والتفاعل معه، فضلا عن الشكل أيضا، مثل توظيف الحلقة ليخرج عن قوالب المسرح الغربي بما يناسب الجمهور العربي كما فعل ذلك في مسرحيته "حفلة سمر من أجل خمسة حزيران" "فالناس الذين يسمرون يجتمعون على شكل حلقة يتحلق الناس حولها في ليالي الصيف المقمرة"9 وذلك ليخلق نوعا من الألفة بينه وبين المتلقي العربي حتى لا يجد نفسه غريبا عن العمل المسرحي المقدم أمامه.

وهذا ما يجعلنا نقول بأننا انتقلنا في مرحلة ما بعد الكولونيالية من إحياء التراث إلى تكريس نوع من الوعي بالتراث، لقد تحولنا، بتعبير محمد عابد الجابري، من كائنات تراثية إلى كائنات لها تراث، حيث أصبحت الذات تخلق مسافات بينها وبين الموروث الثقافي، وهو الأمر الذي مكنها من مساءلته وتحليله، بل والشك فيه أحيانا في أفق خلق مصالحة شاملة مع الماضي.

وفي هذا السياق، يمكن اعتبار توظيف سعد الله ونوس للتراث بمثابة إحداث قطيعة إبستيمولوجية مع توظيفه في مرحلة التأسيس أو الاستعمار، وهو يدخل ضمن تجربة جديدة لاستلهامه، مع ثلة من المسرحيين العرب، بعد الاستعمار في ظل الهزائم المتتالية، إنه لا يعود فقط إلى التراث الذي يجسد الانتصارات والأمجاد، بل يعود، أيضا، إلى التراث الذي يعكس الانتكاسات، ويوافق طرحه وأسلوبه الجدلي، ومن هنا كانت انعطافة ونوس في استلهام التراث بمختلف أنواعه، فتحقق نوع من الرهان، البحث عن هوية المسرح العربي، شكلا ومضمونا، لكن هذا الأسلوب، وإن كان مناسبا للفترة التاريخية التي عاش فيها ونوس، فإن الألفية الثالثة، وخصوصا بعد الربيع العربي، بدأت تتكشف تجربة جديدة في التعامل مع التراث، وفق معطيات العصر الحديث. فما مظاهر هذا التجديد؟ وكيف يمكن للتراث في الفعل المسرحي أن يكون رؤية جديدة ومتجددة؟

 

المراجع

1 - عبد الكريم برشيد، الإحتفالية مواقف ومواقف مضادة، دار نشر المعرفة، 2001، ص: 61.

2 - إننا نميز بين طروحات عبد الكريم برشيد النظرية والإبداعية، إذ نجد اختلافا ملحوظا بينهما، لأن طروحاته النظرية تكون غالبا ردة فعل لانتقاد الاحتفالية، وهو ما يجعله يعرف المسرح تعريفا غامضا "المسرح حفل واحتفال"، كما أن كتاباته في هذا الجانب تطغى عليها شخصيته الإبداعية، لذلك لا يمكن الإلمام بما جاء به نظريا إلا بالعودة إلى منجزه الإبداعي. وهو المنجز الذي بوأ الاحتفالية انتشارا واسعا على المستوى العربي، بغض النظر عن كونه يشرح المنجز النظري.

3 - محمد أديب السلاوي، المسرح المغربي، جدلية التأسيس، منشورات مرسم،  ص: 197.

4 - سعيد الناجي، مهنة المسرح المغربي، مسارات وتقاطعات، ضمن كتاب جماعي، المسرح المغربي بين التنظير والمهنية، منشورات المسرح والدراما التابعة لكلية الآداب والعلوم الانسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان، ص: 42.

5 - عقا أمهاوش، الفعل المسرحي المغربي والنظريات الغربية الحديثة، م س، ص: 133.

6 - سعد الله ونوس، بيانات لمسرح عربي جديد، ط1، دار الفكر الجديد، بيروت, لبنان، 1988م، ص: 232.

7 - سعد الله ونوس، بيانات لمسرح عربي جديد، م س، ص: 132.

8 - يونس محمد عبد الرحمان، تأثير ألف ليلة وليلة في المسرح العربي المعاصر والحديث، دار كنوز الأدبية، ط1،1995، ص: 47.

9 - أحمد صقر، توظيف التراث في المسرح العربي، مركز الاسكندرية للكتاب، 1998، ص: 46.


 

أساليب جديدة في المسرح الغربي

الجمعة, 11 كانون2/يناير 2019 11:59

أساليب جديدة في المسرح الغربي

بقلم عبد العزيز جدير

تكمن أهمية كتاب “من مسرح المثاقفة إلى تناسج ثقافة الفرجة” للألمانية إريكا فيشر ليشته، الصادر عن “المركز الدولي لدراسات الفرجة” بالمغرب، في كونه يجمع بين دراسات كتبتها الجامعية الألمانية في ما بين فترتي 1986 و2016، دراسات تعرض لتطور مسرح المثاقفة من جهة، وترصد تطور هذا المفهوم والانتقادات التي وجهت له في ما بعد، لتحط الرحال عند ما يسمى منظومة تناسج ثقافات الفرجة من جهة ثانية.

ونشأ التفكير في مسرح المثاقفة انطلاقا من التمركز الأوروبي اعتبارا من الرحلات الأولى لجيل الرواد، منذ مشاهدة أنطونان أرطو لمسرح الباليني بباريس سنة 1931، ومشاهدة بريشت لأوبرا بيكين في إحدى زياراته لموسكو للمشاركة في مؤتمر دولي للمنتجين المسرحيين، حضره ثلة من الباحثين والمخرجين الكبار يومها (1935).

وبعد ذلك ظهر إلى الوجود ما يسمى “أثر التغريب”، الذي كان يسكن عمل بريشت مخرجا من دون أن يحضر في إدارة الممثل. وقد لعبت الرحلات الأولى للرواد، وزيارات الفرق اليابانية والصينية للعالم الغربي سواء أميركا أو أوروبا، الدور الرئيسي في التعرف على هذه القوالب والأساليب المسرحية أو الفرجوية الآسيوية بالتحديد. ونتج عن ذلك ابتكار أساليب جديدة في المسرح الغربي متأثرة بهذه الأساليب والقوالب سواء منها “النو” و”الكابوكي” و”الكاتاكالي”.

وقد تجلى التأثير في المسرح المعاصر والتجريبي ابتداء من ستينات القرن الماضي، مع رحلة كروتوفسكي مثلا نحو المسرح الشرقي، ورحلة بيتر بروك وغيرهما، عبر ابتكار تقنيات مستلهمة أصلا من الأساليب الشرقية مثل “الهاناميتشي”، وتموضع الجسد وتقنياته.

ويبين الكتاب أن المسرح الغربي ثار على الأساليب الكلاسيكية، وذلك من خلال الانفتاح على رحابة التقنيات الشرقية. وتم التعامل مع هذه التقنيات بشكل فولكلوري أحيانا. ولم يتم الاعتراف بهذه الثقافات الفرجوية الشرقية في أحايين أخرى، إلا في حدود تمظهرها في المنجز المسرحي الغربي، مما يبين قوة التمركز حول الذات الغربية.

وتعتبر هذه هي المنظومة الأولى لمسرح المثاقفة. والتي تم انتقادها في ما بعد، سواء في محافل الفيدرالية الدولية للبحث المسرحي أو في غيرها. من ذلك انتقد روستم باروتشا بشكل لاذع تجربة “مهابهاراتا” لبيتر بروك في منتصف الثمانينات، بينما كان الكل يمجد هذه التجربة باعتبارها تجربة جريئة، ومشاهدتها مهمة وضرورية. فانبرى باروتشا لنقد بروك قائلا “إنك أفرغت المهابهاراتا من محتواها السياسي والثقافي والديني والحضاري، واستلهمت فقط ما هو فولكلوري شكلا ومضمونا”.

وهكذا، ولد يومها ما سمي بحرب المثاقفة، فأبرزت حرب مسرح المثاقفة مواقف مناهضة، واستشكلت مسيرة المسرح الغربي نحو الشرق. وأكد روستم أن الغرب يتعامل بنوع من التمركز نحو الذات، ولا يعترف بمساهمات المسارح الشرقية في تغذية المسرح الغربي بل وأيضا صياغة حلول لمشاكله، مما يؤكد عدم وجود مسرح منكفئ على ذاته. حيث يطرح السؤال نفسه أليس المسرح مجالا للتفاعل والتلاقح والحوار؟

واتضح هنا ميلاد مرحلة جديدة في تاريخ المسرح الغربي، وتتمثل في اعترافه بإسهامات الآخر في تطوير منجزه. ومع بداية الألفية الثالثة ران صمت مطبق على الموضوع حتى ظهر المشروع البحثي الرائد الذي حملت لواءه فيشر بألمانيا، وهو مشروع منفتح على جميع مكونات صناعة الفرجة دوليا.

انطلق المشروع باستضافة مجموعة من الفعاليات المسرحية من القارات الخمس، على أساس أن البحث في مفهوم التناسج، والحوار والتفاعل بين الثقافات الفرجوية شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، كل من موقعه.

وقد أسهم مترجم الكتاب في هذا المشروع منذ تأسيسه سنة 2008 إلى الآن، انطلاقا من انكبابه على دراسة المسرح المغربي والعربي، ونشأته في ظل الاستعمار، ثم البحث عن الذات، وذلك من منطلق النقد المزدوج.

تبرز فيشر عبر تناسج ثقافة الفرجة أن المسرح الإغريقي ذاته محصلة حوار مع ثقافات سابقة عليه. ويؤدي هذا التصور الجديد إلى خلخلة التمركز حول الذات، والانفتاح على رحابة الآخر، بل يؤدي أيضا إلى ما يسمى بـ”غزو الاختلاف” وهو فعل يؤدي إلى مناهضة الخطابات التي تروم الانكفاء على الذات سواء كان مصدرها شرقا أو غربا.

ونذكر أن كتاب “من مسرح المثاقفة إلى تناسج ثقافة الفرجة” للألمانية إريكا فيشر ليشته، صدر مؤخرا وترجمه عن الإنكليزية الناقد المسرحي خالد أمين. وللكاتبة العديد من البحوث المسرحية الهامة التي نذكر من بينها كتابها “سميائيات المسرح”، وقد قدمت فيه نظرية متكاملة لنظام السيميوزيز المسرحي، وكذلك “جماليات الأداء: الطاقة التحويلية للفرجة” (2004)، و”عودة ديونيسوس” (2013)، و”تناسج ثقافات الفرجة: نحو إعادة التفكير في “مسرح المثاقفة”.

 

 
 

جوائز المسرح بين النمطية والتحديث

الأربعاء, 09 كانون2/يناير 2019 19:14

جوائز المسرح بين النمطية والتحديث

بقلم عصام أبو القاسم / الشارقة

نادت ندوة «الجوائز المسرحية العربية بين النمطية والتحديث»، التي نظمت أمس، في إطار الدورة الثامنة والعشرين من أيام الشارقة المسرحية، بنشر تقارير اللجان المحكمة في المسابقات المسرحية، باعتبار أن لها قيمة تثقيفية ونقدية و توثيقية مهمة، ودعت الندوة التي أدارها المسرحي العماني عماد الشنفري إلى توسيع نطاق الجوائز المخصصة للمسرح، بحيث تشمل جميع المشتغلين بالعمل المسرحي، ولا تقتصر على الكتّاب والمخرجين والممثلين، كما شددت مداخلات الندوة على أهمية استحداث جوائز تتوجه إلى الفرق والمؤسسات والمبادرات الداعمة والناشرة والمنشطة للمسرح.

وفي مداخلته التي جاءت في استهلالية الندوة، تحدث المخرج المغربي أمين ناسور عن ضرورة «طرح الأسئلة» على واقع الجوائز المسرحية العربية، ملحاً على أن تقليد منح الجوائز في الثقافة المسرحية العربية يعاني من قصور في التفكير والنظر، وأن مناسبة فوز بجائزة ما في المجال المسرحي العربي، على الرغم من أهميتها من الناحية الإعلامية والمادية، إلا أن هناك العديد من الشواهد الدالة على أنها لا تخلف أثراً على تجربة الفائز، وهو سأل: لننظر من حولنا إلى العروض التي توجت بجوائز في السنوات القليلة الماضية، من يتذكرها اليوم؟ كم من البلدان زارت وأي جولات أنجزت؟». ودعا ناسور إلى أن تراعي الجهات المنظمة للجوائز والمسابقات عند تشكيلها للجان اختيار نخبة من أصحاب التجربة، المنزهين من الغرض ومن غير أولئك المتسابقين المحتملين على الجائزة ذاتها في وقت لاحق. وهو استغرب لماذا يتم «تجاهل النقاد» في اللجان التحكيمية المسرحية ؟

من جانبها، تحدثت الكاتبة الكويتية تغريد الداوود، التي فازت بجائزة الشارقة للتأليف المسرحي، ومنحت أخيراً جائزة الدولة التشجيعية في بلدها، عن تجربتها الشخصية، وفي هذا السياق قالت: «إن الفوز بجائزة يعود على الفائز بخاصة إذا كان شاباً وصاحب تجربة جديدة، بالاعتراف والتقدير، كما أنه يشجعه ويحفزه»، وأضافت: «الدولة المتقدمة تؤمن بضرورة إقامة مثل هذه المسابقات، لترقية المجال و لتوطين الممارسة الفنية وتعميقها وللمحافظة على الموهوبين حتى لا يتسربوا إلى مجالات أخرى».

وذكرت الداوود أن المجال المسرحي العربي يحتاج أكثر ما يحتاج إلى الجوائز؛ إذ أن معظم المشتغلين بهذا المجال ليس لديهم سواه لضمان الدخل المادي. وتحدثت الكاتبة الكويتية عن ثراء الجوائز المسرحية في الشارقة وقيمتها العالية، والحفاوة التي يقابل بها من يظفر بها.

وحكى المخرج الأردني خليل نصيرات، في مداخلته، عن «ضغط الجوائز»، وكيف أن فوز أحدهم بجائزة لا يعني بالضرورة أنه وجد الحافزية التي تمكنه من إنجاز المزيد من العروض أو الأعمال، مشيراً إلى أنه يعرف كثيرين فازوا بجوائز ولكن فوزهم لم يكن سبباً في استمراريتهم، وذكر أيضاً أنه يعرف من الفائزين من جعله فوزه يضبط إيقاع أعماله الفنية على أساس أنها ستنافس في جوائز بعينها.

من جانبه، دعا المسرحي التونسي إلى استحداث تقاليد جديدة في فكرة الجوائز المسرحية، وقال في هذا الاتجاه: «إن هناك ضرورة لتكريم المؤسسات والمبادرات والمجموعات المسرحية التي تعمل على ترسيخ الفن المسرحي وشيوعه». وتحدث المسرحي التونسي عن أشكال الجوائز المسرحية المعروفة في المجال العربي، فهي تنقسم إلى جوائز للعروض «الإخراج والتمثيل والكتابة إلخ»، وجوائز للتجربة، أي تمنح لأولئك الذين استمروا بتجاربهم الإبداعية مدة طويلة.

وطلب البحري أن تتوجه لجان التحكيم في المسابقات المسرحية العربية إلى نشر تقاريرها وألا تبقيها خبيئة الأدراج، فالنقاش حول هذه التقارير يثريها، كما أن من شأنه أن يغير في ذهنية الاحتجاج والرفض التي ترافق غالباً حفلات إعلان الجوائز العربية بشكل عام.


 
 

قراءة في قانون الفنان والمهن الفنية

تاريخ آخر تحديث: السبت, 24 تشرين2/نوفمبر 2018 09:24 السبت, 24 تشرين2/نوفمبر 2018 09:14

قانون الفنان والمهن الفنية و أنظمة الحماية الاجتماعية من التأصيل الدستوري إلى الإقرار التشريعي و المبادرة الحكومية والتنظيم النقابي المهني

بقلم الأستاذ الباحث محمد أمين بنيوب

تتناول هذه الدراسة موضوع قانون الفنان و أنظمة الحماية الاجتماعية، على ضوء التجربة المغربية الجنينية ومدى سلطة الفاعل السياسي وقدرة الفاعل الثقافي / المهني، في وضع مسارات جديدة و خطط جريئة لمنظومة الفنون مبنية على مبدئي  الحق و الواجب و منسجمتين مع قيمتي الإنصاف و المساواة، حتى لا تبقى المهن الفنية وممارسيها، مرتكزة على البكائية والانتظارية ومعرضة للاستجداء والإحسان و أحيانا الرعونة والبهتان. فالمهن الفنية بحاجة اليوم إلى ترافع و حوار عموميين لدي الفاعل التشريعي والفاعل الحكومي، باعتبارهما سلطة دستورية، كما أن هذا الشكل من التناظر العمومي، تعبير من تعابير الديمقراطية التشاركية، والذي يعد الحوار والتفاعل آلية من آلياتها. فأسس الحماية الاجتماعية للفنان المغربي، تنبني على أربع اعتبارات أساسية، الاعتبار الدستوري والاعتبار التشريعي والاعتبار التنظيمي والاعتبار المهني، باعتبارهم الضامنين لموقع الفن وممارسيه، من حيث موجبات حمايته ودعم حقوله الإبداعية وتطوير مهنه، بهدف تحقيق مجتمع الفكر والثقافة و الإبداع والمناصفة.


  • الاعتبار الدستوري

إننا بصدد موضوع موصول بجذوره في الأحكام الدستورية، التي من بينها على سبيل المثال، من حيث الارتباط بالهوية (تصدير دستور 2011)، فالفن و الإبداع كتعبير ثقافي امتداد من امتدادات الهوية الثقافية الوطنية بمختلف مكوناتها العربية الإسلامية، و الأمازيغية و الصحراوية الحسانية الغنية و المتجدرة بعمقها الإفريقي و الأندلسي و العبري و المتوسطي و المنفتحة على الثقافات و الحضارات، معتمدة في ذلك على قيم التسامح و الحوار و الاعتدال . فالمكانة التي يتبوؤها الفن و الإبداع و المبدع في التأصيل الدستوري ترتكز على ما يلي:

  • يندرج الفن بارتباط وثيق مع حرية الإبداع و النشر و العرض ( فصل 25 من الدستور ) و بوصفه في نفس درجة الأدب و البحث العلمي و التقني .

  • يتأسس الفن على قاعدة الحكم الدستوري القاضي بحرية الفكر و الرأي و التعبير ( الفصل 25)،مما يكون معه المشرع الدستوري قد أصل للحماية و النهوض بالفن في مختلف تعابيره و مجالاته و بالنتيجة،فإن ماتم تأصيله من حيث الهوية ثم إقرانه و ربطه بحقين مصونين من صميم الحضارة الإنسانية المشتركة وهما حماية الفكر والتعبير،و يترتب عن ذلك،التأكيد الدستوري على دعم السلطات العمومية للإبداع الثقافي و الفني و تنميته وتطويره و حمايته و تنظيم مجالاته وأنماطه ( تشريعات و مؤسسات )، بكيفية مستقلة وعلى أسس ديمقراطية ومهنية مضبوطة ( فصل 26). كما أن المقتضى الدستوري، يؤكد على عمل السلطات العمومية في توفير المناخ الملائم والفعال، الذي يمكن من تعمــيم حريـة المواطنين والمساواة بينهـم، ومـن مشاركتـهم في الحـياة المدنـية و السياسـية والثقـافية و الاقتـصادية و الاجتماعية. ( الفصلين 6 و 31).

  • يرتكز الفن على أجرأة المؤسسات الدستورية المعنية بالهوية الثقافية والتعدد اللغوي و التنوع الثقافي و باقي المؤسسات المعنية بالثقافة الوطنية و العلوم و المجتمع المدني الواردة في المقتضى الدستوري (الفصول 5 – 32 – 33 – 151).

  • الاعتبار التشريعي

في ضوء التطورات الدستورية الجديدة المكرسة و المعززة لوظيفة الفن و مهنييه في المجتمع وفي نطاق ما يكفله من حقوق و حريات، ومن أجل الاستجابة للتحديات البنيوية و المؤسسية وحفاظا على المكتسبات الجزئية التي تم تحقيقها منذ سنة ( 1998) حتى اليوم، يعد التدخل التشريعي من طرف سلطة البرلمان أساسيا لفائدة التطلعات المشروعة للمهنيين، بغاية الاستجابة لأوجه الخصاص التي تعرفها المنظومة  التشريعية المتعلقة بالفنان وأنظمة حمايته. وتجدر الإشارة و للتاريخ فان مجلسي الأمة و ضمن المقتضى التشريعي و تجاوبا مع مطالب الكتل المهنية و أجهزتها النقابية تم انجاز مايلي :

  • إصدار قانون المؤلف و الحقوق المجاورة ( 2000 ).

  • إصدار قانون الفنان ( 2003)، تم تعديله وتتميمه من طرف فرق الأغلبية وسجل بتاريخ (31/07/2015 تحت رقم 202) وتمت المصادقة عليه من طرف البرلمان بتاريخ (09/02/2016).وصدر تحت اسم قانون المتعلق بالفنان والمهن الفنية بتاريخ 25 غشت 2016 .

  • إصدار مرسوم بطاقة الفنان ( 2006)، تم منحها في البرلمان ( 2007 ).تم تعديل المرسوم في ( شثنبر 2012 ) وأعيد تعديله من جديد بتاريخ 25 اكتوبر 2015 ويحدد شروط وآليات ومعايير منح وسحب البطاقة المهنية للفنان والبطاقة المهنية لتقنيي وإداريي الأعمال الفنية.

  • إنشاء التعاضدية الوطنية للفنانين ( 2007 ) بمبادرة من النقابة المغربية لمحترفي المسرح و شركائها، والتي استهدفت التغطية الصحية، حيث يتم تمويلها من قبل وزارة الثقافة ووزارة الاتصال في نطاق دعم عمومي لا يتعدى ( 350 مليون سنتم ) ، إضافة إلى مساهمات الفنانين السنوية. وكل هذه المداخيل تبقى جد محدودة ولا تغطي كل الحاجيات الاجتماعية والصحية والحالات الطارئة.

  • إصدار القرار المشترك لوزير الثقافة ووزير الاقتصاد والمالية بتاريخ 10 دجنبر 2014 والمتعلق بتحديد كيفية دعم المسرح.

  • مصادقة المجلس الحكومي بتاريخ 2 غشت 2018 على مرسوم يحدد لائحة المهنية الفنية وهو قيد النشر بالجريدة الرسمية.

  • إصدار قرار لوزير الثقافة والاتصال بتاريخ 20 نونبر 2018 يهم تحديد البيانات التي تشتمل عليها البطاقة المهنية للفنان والبطاقة المهنية لتقنيي وإداريي الأعمال الفنية وكذا الوثائق المطلوبة لتقديم ملف طلب إحدى هاتين البطاقتين أو ملف تجديدهما.

  • وبالرغم من هذه المكتسبات القانونية ،يبقى الوضع الاجتماعي للفنان المهني يتسم بالهشاشة ونذرة آليات الحماية الاجتماعية .وبالنظر للحالات المستعصية والطارئة للفنان وذويه، يحظر دائما التدخل الملكي السامي، التكفل بالعديد من الحالات و دعمها ماديا و صحيا واجتماعيا.

ضمن هذا المفترق، تحتاج الحماية الاجتماعية للفنان إلى تدخل تشريعي، يرصد المكتسبات السالفة للذكر ويبادر إلى إرساء قواعد و آليات جديدة للحماية الاجتماعية بواسطة :

  • تدقيق جوانب الحماية الاجتماعية عبر وضع فقرات جديدة و مفصلة في قانون الفنان المزمع تعديله، بغاية تمكين السلطة التنفيذية و أجهزتها المشرفة على قطاعات الثقافة و الفنون،من اتخاذ التدابير الإجرائية و الهيكلية والبرنامجية و المؤسسية الكفيلة و الضامنة بتفعيل الأحكام القانونية التي تصدر عن البرلمان.

  • تدعيم و تعميم الديمقراطية التشاركية بمطالبة الجمعيات و التكتلات المهنية للفنانين، بتقديم مذكرات وعرائض تفصيلية في شأن مطالبها واقتراحاتها و مساهمتها في تطوير مجال الحماية الاجتماعية بصيغ تشاركية و تعاقدية.

  • عقد جلسات استماع وتناظر عموميين ما بين الكتل المهنية الفنية و الفاعل التشريعي بمختلف فرقه و توجهاته حتى تكتمل الصورة بشكل دقيق، حول المهن الفنية و مجالات اشتغالها و طرائق حمايتها و حماية ممتهنيها وتقعيد حقوقها وواجباتها و تأصيل مكتسباتها ووضع تصورات عقلانية وواقعية لتوسيع القطاع الثقافي الفني ليأخذ مكانته في النسيج الاقتصادي و الاجتماعي و الرمزي للأمة.

  • إقرار حق التفاوض الجماعي والتناظر العمومي مع المؤسسات المهنية الفنية، حول ملفاتها المطلبية سواء من طرف الفاعل التشريعي والفاعل التنظيمي ( رئاسة الحكومة والمؤسسات الحكومية المعنية بالقطاع الثقافي والفني ومجالس الجهات والمدن والقطاع الخاص ).

  • تمتيع الكتل النقابية و الفنية بحق الترشيح لمجلس المستشارين بمقتضى الدستور، باعتبارها تمثل فئة مهنية منسجمة على غرار المنظمات المهنية، الواردة في الوثيقة الدستورية ( فصل 63 ).

  • الاعتبار التنظيمي

في دول المعمور،تمارس مهنة الفن عبر ثلاثة أنماط مهنية أساسية،من حيث الممارسة ومجال الإنتماء للمؤسسة الفنية المشغلة للفنان. أولا، كفنان موظف في إدارة عمومية حكومية أو ترابية يتقاضى عنها أجرا شهريا ويتمتع بحقوق الحماية الاجتماعية الواردة في المساطر و الإجراءات العمومية وبذلك يكون محميا من طرف الدولة. ثانيا، كفنان عامل يتقاضى أجرا عن إبداعه في إطار مؤسسة خاصة إذ يستفيد  من التشريعات و المساطر التي تحكم مدونة القطاع الخاص. ثالثا،كفنان حر يمارس إبداعه بشكل منتظم أو متقطع في إطار عقد الشغل أو عقد المقاولة. هذه الحالة الأخيرة، هي التي تطرح إعمال الحماية الاجتماعية الشاملة والتفكير في صيغ مرنة لإرساء وضع اجتماعي يكفل الحقوق للفنان وذويه.

اليوم في المغرب ، نحن في البداية من حيث الاعتراف و التنظيم و الحماية و الدعم وتجربتنا فتية في الزمن التشريعي والفضاء العمومي و المحيط المهني والمقترح الآن، في ظل تعاقدي سياسي جديد يضمن الحقوق والواجبات للأفراد والجماعات. فالمهن الفنية وما تقدمه من خدمات مباشرة أو غير مباشرة لمجتمعنا و لاقتصادنا وما تروجه لصورة المغرب الثقافي داخليا و خارجيا، بحاجة ماسة لمنظومة حمائية اجتماعية للفنان، مرتكزة على مجموعة من الآليات والتدابير الوقائية الجماعية، من شأنها منح وتمتيع الفنان وذويه من موارد مالية وخدمات عينية، لمواجهة المخاطر الاجتماعية في حالات تقليص الموارد المالية العمومية وارتفاع تكاليف المعيشة وفقدان الشغل وانسداده. لدى فالحماية الاجتماعية، يجب أن تشمل التدابير التالية :

  • التكفل الطبي الشامل للفنان وعائلته تشمل الأمراض والإعاقة وعدم القدرة عن العمل وحوادث الشغل المهنية والأمراض المهنية والتعويضات العائلية والنفقات الاستثنائية الناجمة عن الزواج والولادة والوفاة.

  • تأمين الانخراط في تقاعد يكفل مسيرته الفنية وفق الضمانات والمكتسبات التي يتمتع بها سائر مهني التشريع الخاص ذات صلة بالمهن الحرة ( الشيخوخة – المعاش – استرجاع الأموال وإعادة تقسيمها وتوزيعها ) .

  • الحق في سكن ملائم أو تعويضات عن السكن .

  • ضمان الشغل أي تعويض عن العطالة و تعميم آلية الإدماج و إعادة الإدماج في سوق الشغل الفني .

  • مواجهة الفقر والإقصاء الاجتماعي عبر التعويضات الاجتماعية وفق ماتنص عليه التشريعات الوطنية .

  • الاهتمام بالفنان ذوي الاحتياجات الخاصة و إدماجه في الحياة الثقافية والفنية ورعايته وفق نظام خاص.

هذه صورة أولية، حول الحماية الاجتماعية للفنان و مداخل لتطويرها والنهوض بها. نقترح عمليا ثلاثة إجراءات استعجالية متمثلة في:

  • تعزيز الحماية القانونية لعائدات الفنان ومداخله الفنية المترتبة عن الحقوق الثقافية والحقوق المجاورة باعتبارهما مصدرين أساسيين من مصادر تعزيز المداخيل والنفقات الاجتماعية .

  • الإسراع تشريعيا و تنظيميا في إنشاء مؤسسة الخدمات الاجتماعية للفنانين وتمكينها من مصادر التمويل عبر مساهمة الدولة والقطاعات العمومية وشبه العمومية والقطاع الخاص و الإنخراطات الفردية للفنانين حسب الدخل الفني واقتطاعات الفنان الأجنبي وإقرار الفاعل التشريعي، ضرائب ورسومات استثنائية ضمن النفقات العامة للدولة، بغية دعم الخدمات الاجتماعية و تنويع مصادرها .

  • مبادرة الكتل النقابية والمهنية الفنية، في وضع أجندة إقتراحية مبنية على تصورات عقلانية و حقيقية للانخراط في حوار عمومي وعلني حول مدونة الشغل الفنية، عبر مفاوضات جماعية ومسؤولة، تأخذ بعين الاعتبار مكانة الثقافة والإبداع وأدواره ووظائفه في تطوير الديمقراطية والتنمية ومجتمع المعرفة والعلم.

  • التنظيم المهني

استنادا على ما تقدم، يأتي مقترح القانون الجديد، يقضي بتغيير وتتميم قانون رقم 71.99 والمتعلق بالفنان والذي تقدمت به فرق الأغلبية بتاريخ (31/07/2015)، حيث هم إعادة النظر في جوهر قانون الفنان السابق، شكلا ومضمونا وتوسيع أبوابه وبنوده (16 بابا و 58 مادة). فهذا المقترح، جاء مفصلا لمفهومي طبيعة العمل الفني وكيفية تنظيم أسسه المهنية ووضع آليات تنظيمية وحمائية لهما، آخذا بعين الاعتبار مقاربة شاملة ومتداخلة للمفهومين السابقين ووضعهما في السياق الدستوري والحقوقي والمؤسسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للبلاد. لكن أهمية هذا المقترح القانوني للفنان و مهنه، تبقى رهينة بالآليات المواكبة لعمل الفنان تشريعا وتنظيما ومدى قدرة الكتل النقابية الفنية والجمعيات المهنية في تأطير القطاع الفني وهيكلته ونجاعة السياسات العمومية المرافقة لتلك الآليات، عبر رسم استراتيجيات وخطط وبرامج، للرفع من قيمة العمل الفني والمشتغلين به والدفع بالإنتاج الإبداعي والثقافي، ليشكل رأس مالا لا ماديا، مساهما في الدورة الاقتصادية والتنموية للمجتمع و مرسخا لقيم الديمقراطية والحداثة والحقوق والواجبات وثقافة الانفتاح في أبعادها الوطنية والكونية.

فمقترح قانون الفنان الجديد، كيفما كانت مضامينه وأبوابه وبنوده وطموحاته ومراميه، لا يمكن أن يصنع فنا وإبداعا لوحده، بل هو فقط أداة للاعتراف وتأطير الحقل الفني وتنظيم سوق الشغل وفق قواعد مضبوطة واتفاقات مشتركة. ويبقى العمل النقابي حجر الزاوية والركيزة البناءة من أجل الحوار والتفاوض، المفضي إلى مكتسبات مهنية والسبيل الوحيد الكفيل لإقرار وضعية حقيقية للفنان المغربي وجعل منظومة الفنان بمختلف تجلياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوقية، بيد الكتل النقابية المواطنة، الممثل الفعلي لمطالب الفنان وطموحاته و ألا تترك لحسابات سياسوية أو تحت رقبة أصوات شائخة وعدمية، ظلت  لعقود وحيدة، مستفيدة من ريع الدولة وسوء تنظيم المهن الفنية الذي يدعم ويحمي مكتسباتها باستمرار.

فالعمل النقابي اليوم، بحاجة إلى خطاب مجتمعي حداثي، يرتكز على ترافع عمومي، حول قيمة الثقافة والفن في المجتمع وإشاعة صورة مغايرة للمثقف والفنان المواطن والمسؤول، بدل الاتكاء على خطاب ماضوي وتقليداني بكائي، ظل لسنوات يقيد الفنان وإنتاجه، بقيود المسكنة والصدقة والتسول والاستجداء. إذ لا مجال اليوم، للمزايدات والحسابات الضيقة و الفردنة، كل ذلك يفضي نحو ثقافة الانعزال والعدمية والانتهازية. فالتعددية النقابية في المجال الفني  كماهي متعارف عليها دوليا، مشروعة وتكفلها المواثيق الدولية و تحرس على إعمالها المرجعيات الوطنية وتسهر على حمايتها و إنفاذها السلطات العمومية. أعني بالتعددية تلك التي تنبثق من الهاجس المهني . ترتكز على مشروعية مجتمعية. تتوفر على خلفيات فكرية وثقافية وعمق مهني وفي تفاوض دائم ومستمر مع النسق السياسي وقادته و فاعليه. غير ذلك مجرد تعددية وهمية بزعامة مرحلية لاقتناص فرص انتهازية واحتلال مواقع هشة ومعتلة. هدفها إفساد التفاوض الجماعي وخلق اللبس والغموض في الحقل المهني. هذا لاينسحب فقط على الميدان المسرحي الوطني، بل يتعداه ليشمل حقول المهن الفنية برمتها.

تاريخيا، انبثقت التعددية النقابية الفنية من رحم الحركات العمالية منتصف القرن التاسع عشر، وتطورت وتجسرت  بنضالات ومراس الفنانين بمختلف مهنهم ومنحت بذلك ثقافة نقابية فنية مبنية على الوحدة النقابية. أما التعددد فهو مرتبط فقط بتنظيم وتأطير كل مهنة فنية بخصوصياتها المتفردة وضبط قواعد الممارسة المميزة لها. أما التعدد العددي هكذا و إصباغه صبغة دستورية وحقوقية، فهو يسيء للمهن الفنية ويعطل كل المبادرات التفاوضية ويؤجل كل الترافعات العمومية ويكبل تطور الممارسة المهنية الفنية ويخلق وعيا نقابيا سطحيا بدون أفق فكري وعمق استراتيجي . ولنا عودة لدراسة قانون الفنان والمهن الفنية لاستقرائه وفق التحولات التي يشهدها القطاع  الوطني الفني و المهني.

 
 

في فلسفة التجاذب بين المسرح والتراث

الخميس, 22 تشرين2/نوفمبر 2018 18:26

في فلسفة التجاذب بين المسرح والتراث (1)

بقلم الأستاذ الباحث عبيد لبروزيين


التجاذب المستمر بين المسرح والتراث، هو في حقيقة الأمر، انعكاس لجدلية مؤرقة في الفكر العربيّ الحديث والمعاصر، إنها جدلية الحاضر والماضي، القائم وما كان قائما، بكل حمولتهما الثقافية والسياسية والاجتماعية والإيديولوجية، إحياء التراث أحيانا، أو الوعي بالتراث أحيانا أخرى، جاء نتيجة هموم النهضة القومية التي سعت إلى تجاوز عصر الانحطاط، والخروج من دوّامة الهزائم والانكسارات المتتالية، التي أحدثت شرخا كبيرا في الهوية العربية، فكان إحياء القديم/الأمجاد، الماضي المشع في الذاكرة، وبهذا هيمن الماضي و أرخى بظلاله على الحاضر، وأصبح مرادفا للهوية والأصل، وملاذا للاختباء من كل جديد، لاسيما بعد هيمنة الرؤية السلفية في قراءة التراث.

أضحى التراث بهذا المعنى، غاية لتحقيق الأصالة، والحفاظ على الهوية في ظل الاتجاه نحو العولمة، وهو ما أدى إلى إلغاء الزمن والتطور، وأصبح التراث يشكل معالم الحاضر والمستقبل في استراتيجية من العقل العربي للهروب من وقع الهزائم، وإذا كان التيار السلفيّ ينظر إلى التراث نظرة تقديسية منغلقة، فإن التيارات اللبرالية قرأته بمناهج غربية، أدت، حسب محمد عابد الجابري، إلى نفس النتائج تقريبا، بينما دعا المغالون من هذا التيار إلى إحداث قطيعة إبستمولوجية معه، وهذا نقاش سيأخذنا بعيدا عن عوالم الفرجة، غير أنه لا بد من استحضاره لوضع هذه الإشكالية في سياقها الفكري العام.

لا تستقل علاقة المسرح بالتراث عن الأطروحات الفكرية التي تسعى إلى إحياء الماضي، أو قراءته قراءة نقدية موضوعية جديدة، غير أننا نجد أنفسنا في الدراسات المسرحية، نستعمل كلمة التراث، ليس للدلالة على الماضي فقط، بل للدلالة أيضا على الثقافة الشعبية، مقابل الثقافة العالمة أو الرسمية، التي لا تصبح تراثا إلا في احتكاكها بالتاريخ، لذلك نعت هذا النوع من التراث، بقصد أو عن غير قصد، بمصطلح قدحي تم تجاوزه لاحقا، وهو الأشكال ما قبل مسرحية.

وفلسفة التجاذب بين المسرح والموروث الثقافي، يعود بنا إلى ما قبل ظهور المسرح في بلاد اليونان، حيث كان في البدء فرجة تراثية، مقترنة بالإنسان منذ التجمعات البشرية الأولى، منها ما هو طقسي (الاحتفالات الديونيزوسية) وشعائري (الاحتفالات الشيعية في العراق) واحتفالي (الأهازيج والاحتفالات في الأعراس).

هكذا يؤرخ ظهور الفن المسرحي لعلاقة التجاذب بين التراثي والمسرحي في الفعل الفرجوي الإنساني، إنها علاقة تجاذب مستمر عبر التاريخ، غير أن المرحلة الأولى من تاريخ المسرح، وهنا أقصد الشعرية الأرسطية التي امتدت ردحا طويلا من الزمن، لم يتناول فيها الدارسون علاقة المسرح بالتراث، وأقصد هنا الأشكال الفرجوية الشعبية واستلهام التاريخ، لأن الإرث الثقافي المسرحي فيما بعد، تحول بكامله إلى تراث، وهو ما لم يكن متوافرا في المرحلة الأولى. والمرحلة الثانية، وأقصد بها شعرية ما بعد أرسطو، كان فيها التجاذب بين المسرح والموروث الثقافي قويا وعنيفا، منذ الدعوات الأولى لجون جاك روسو ومن تلاه، وانعكس هذا التفاعل القويّ في النظريات المسرحية من خلال مسرح القسوة، والمسرح الملحمي، والمسرح الاحتفالي، والحكواتي... والعروض المسرحية، أيضا، ونخص بالذكر هنا تجربة أبي الخليل القباني والطيب الصديقي والطيب لعلج وسعد الله ونوس.

وإذا كانت العودة إلى التراث، قد جاءت بعد دعوات من رموز الفكر والأدب في الغرب، فإن النهضة العربية، قامت بدورها على دعوات محمد عبدو، والأفغاني، ورفاعة الطهطاوي، وحسين مروة، وعبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، وعبد الكبير الخطيبي، وغالي شكري، وزكي نجيب محمود، وأدونيس، ويوسف الخال، وحسن حنفي، وهو ما أدى إلى التأثير على الفهم المسرحي للتراث، خصوصا في الشق التنظيري المرتكز على التأصيل، وبهذا قامت التجربة المسرحية العربية في مرحلة التأسيس على مفهوم التأصيل باعتباره صلة الوصل بالماضي، الذي جعل المسرح العربي، رهين دائرة مغلقة، حيث كان التراث في المسرح مرادفا للأصيل، والسبيل للانتصار للهوية الحضارية والثقافية، في مواجهة الآخر/الغرب، غير أن المتتبع للتراث في الفعل المسرحي العربي، يدرك أنه يختلف من مرحلة لأخرى، وهو ما جعل الاشتباك بالموروث الثقافي يتخذ ثلاثة أبعاد:

البعد الأول: إحياء التراث في ظل النهضة العربية (مواجهة الاستعمار).

البعد الثاني: توظيف التراث لنقد الواقع وتغييره (ما بعد الاستعمار).

البعد الثالث: توظيف التراث توظيفا جماليا من خلال التقنيات المسرحية الحديثة (الألفية الثالثة).

وفي أفق هذا التجاذب المستمر، تشكلت شعريات مسرحية ترتكز على التراث في بناء خطاباتها، مستلهمة اللهجات واللغة، والاحتفالات والأفعال الإنسانية الماضية، والأمثال والحكم، والسّير والحكايات، وفي الجانب البصري، استلهم اللباس والديكورات والرقص والموسيقى والإضاءة.

حضور التراث في التنظيرات المسرحية، لا يمكن أن ينظر إليه بمعزل عن سياقه المسرحي والإيديولوجي، وعن السياق السوسيوثقافي للتجربة المسرحية بشكل عام، لذلك يحضر هنا من خلال هدفين، الأول معرفي، تحقيق معرفة بالتراث، واستجلاء عناصره ومكوناته، والثاني إيديولوجي، حيث لا يمكن أن تتحقق معرفة بالتراث إلا من خلال رؤية حديثة تستند إلى مرجعيات فكرية، قد تكون سلفية أو ليبرالية.

وإجمالا، إن ما نسعى إلى تقديمه، هو رصد خصائص توظيف التراث في مراحل تطور المسرح العربي، والأهداف التي يمكن تحقيقها من وراء ذلك، بينما تبقى الإشكالية التي سنحاول الإجابة عنها في المقالات المقبلة تتمحور حول أن التراث يسعى للحفاظ على الهوية الحضارية والثقافية، في حين أثبتت الدراسات الحديثة أن الهوية تتسم بالحركية والتفاعل والاستمرار، فأي هوية سنحافظ عليها؟ وهل استطاع التراث أن يحقق أهداف دعاة التأصيل المسرحي؟


 
 

الصفحة 1 من 21

للإتصال بنا Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P 16113 Casablanca Principale - Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com theatretafukt@gmail.com
Télé: (+212) 669 279 582
GSM: (+212) 654 439 945
GSM: (+212)
667 313 882

Siège Social: Complexe éducatif Hassan II pour la jeunes Casablanca - Maroc

تابعنا على الفايسبوك facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـمؤسسة تافوكت للإنتاج وفضاء تافوكت للإبداع © 2018
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL.